أكتب وأنا لا أعلم ما الذي سيحصل بعد أو قبل أن يصفر حكم مباراة الجزائر ومصر على أرض السودان العزيز، يوم الأربعاء معلنا عن الفريق الذي سيحمل بطاقة الذهاب إلى نهائيات المونديال.

أكتب وقلبي يعتصر ألماً، ومعي الملايين من أبناء العرب، لما آلت اليه تداعيات نزال كرة القدم بين المنتخبين الشقيقين؛ مصر والجزائر، فالأخبار لا تحمل لنا إلا كل ما يزعج ويتركنا في حيرة من أمرنا.

ضرب هنا وحرق مكاتب وحصار لجاليات هناك.. هتافات وشحن عاطفي مليء بالتشنج والتحريض، وحالة من الهستيريا في إعلام البلدين، والناس تكاد أن تفقد عقولها قبل أن تتدحرج رؤوسها، فهل نحن في حرب حقيقية بين بلدين؟

أم أننا نشهد نزالا كرويا بين منتخبين تجمعهما وشائج الأخوة والمصير المشترك، وروابط الدين والقومية والمحبة، لا بد وأن ينتهي بفائز وخاسر كما هي حال اللعبة منذ فجر التاريخ؟

ثم إن الرياضة انطلقت فكرتها الأساسية على أنها رسالة سلام ومحبة بين الشعوب، وليست وظيفتها صنع الأحقاد وتعميق الكراهية بين بني البشر.

إن الذي يتابع، ومن لا يتابع، تداعيات الصراع الكروي بين الفراعنة والخضر، كما يحلو للإعلام والجماهير أن ينادوا كلا الفريقين تحببا وتشجيعا للروح الرياضية والتنافس الشريف بينهما، لا يتوقع أن يرى دماء تسيل في الباصات، وجاليات تحاصر في عواصمها، ومكاتب تجارية تحرق، وضحايا وسلاحا أبيض في الميادين العامة، ورشقا بالحجارة وشج رؤوس وهتافات وصراخا يتعالى ينذر بالشؤم..

أستحلفكم بالله، ما الذي يجري؟

هل هي طبول الحرب تقرع والمنادي يدعو الى النفير لتحرير المقدسات؟ أم أن هناك من يعد لحرب أخرى، ندعو الله العلي القدير أن يجنب شرورها شوارع وميادين الخرطوم، وعندها فلن يكون هناك أي رابح إذ سنكون جميعاً خاسرين؟ وما قيمة تذكرة الذهاب إلى جنوب إفريقيا، إذا كانت مغموسة بدماء أبنائنا وشبابنا وثمنها مدفوع مسبقا من رصيد أخوتنا العربية وانتمائنا المشترك إلى أمة كانت خير أمة أخرجت للناس؟..

فمصر الكبيرة بيتنا جميعا، ورئة الأمة التي تتنفس منها وعبرها العلم والمعرفة والحضارة، وهي في عهد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر أول دولة جعلت دعم الثورة الجزائرية هدفها المركزي، وكانت ملاذا للثوار والأحرار من جميع أقطار الأمة. والجزائر قلعة البطولة وبلد المليون شهيد، غمرتنا بنسائم العزة والأمجاد في ثورتها التي انطلقت من الأوراس، وأهلها كانوا وما زالوا وسيبقون رصيد الأمة ورجالها في كل النوازل التي حلت بالعرب في كل حين.

فنحن نقف أمام شقيقين غاليين علينا، لا نريد لهما أن يدخلا ويدخلونا معهما إلى نفق ربما لا نجد في نهايته ضوءاً. ومثلما يقول الشاعر العربي، فإن النار بالعودين تذكى.. وإن الحرب أولها الكلام..

ألا يوجد عاقل يتصرف بحُلم في لحظة جنون عصيبة؟ وهل نحن اليوم في ظل مصائبنا التي لا تعد ولا تحصى، في حاجة إلى كارثة جديدة ستحرق الأخضر واليابس؟ فالمباراة لا بد وأن تنتهي بصافرة الحكم، وأيا كان الرابح من الفريقين الشقيقين، وحتى لو وصل لجنوب إفريقيا وانتزع كأس المونديال، فماذا يفيدنا هذا الكأس في إصلاح النفوس التي ستخرب والجراح التي لا تندمل إلا بعد عقود أو دهور!

فليس مثل الشعوب العربية لها خازنة تاريخية لا تضيع شيئاً، والبدوي سألوه عندما أخذ ثأره بعد أربعين سنة، فأجاب بأنه قد استعجل.. إنها حيرة مُرة أن نشاهد بأعيننا وقائع تجري على أرض العرب بهذه الحدة والغضب والتهديد والوعيد.

وهنا لا بد من الإشارة إلى الدور السلبي الذي يقوم به بعض وسائل الإعلام من تحريض ونفخ في النار، وكأنها تعيش في كوكب آخر، وكأن الضحايا ليسوا من ضحايانا، ولا أن تخريب العلاقة بين شعبين شقيقين عمّدا علاقاتهما عبر سنوات من التلاقي والكفاح، جريمة لا تغتفر وفق كل المعايير.

إن نشر قيم المحبة وتعميق أواصر العلاقة والتعاطي مع مباراة رياضية، وليست ساحة حرب، هو من أول شروط الإعلام الهادف الذي يسهم بشكل مباشر في عصر الثورة الرقمية، في صياغة قناعات وتوجهات الناس. فما الذي تجنيه وسيلة إعلامية من محاولتها العمل على تعكير الجو الرياضي القائم على التنافس، وليس الخصومة؟

كما أن مهمة القيادات السياسية والرياضية في الوطن العربي، يجب أن ترتقي إلى مستوى التحديات والمخاطر المحدقة بالأمة العربية من كل حدب وصوب، وخصوصا من إسرائيل التي يتشفى إعلامها ويصفق، بل ربما يضحك مما يجري على ساحات العرب وملاعبهم أو في شوارعهم وميادينهم، من شغب وقتال ومعارك لا ندري أين تقودنا، حتى وصل الأمر بمعلق سياسي في صحيفة إسرائيلية إلى القول: لا داعي من يومنا هذا للجيوش والدسائس والاستخبارات لتخريب العرب، فيكفينا في كل سنة شوطان من كرة القدم كي ندمر العلاقات بين بلدانهم!

فنحن أمام لحظة صعبة تتطلب من كل عقلاء القوم وأهل الحكمة، أن تتضافر جهودهم للنأي بالرياضة عن كل هذه المنحنيات الخطرة وتجنيبنا شرورها، وأن تعود الرياضة كما عهدناها مجالا للتنافس الشريف ونسج أواصر المحبة والتلاقي بين شباب الأمة العربية، بل ومع كل أبناء الإنسانية جمعاء.

فالرياضة هدفها سامٍ ورسالتها عظيمة، فلا ندعها تكون سببا في خلق الكراهية والأحقاد بين الأمم والشعوب، ولندع الرياضة والفنون والأدب ميادين حية لتعميق ذاكرة الأمة وترقية السلوك الحضاري للبشر أينما كانوا.. نريد ونتمنى أن نربح مصر العزيزة والجزائر الغالية، وأن لا نخسر جميعا كل ما منحنا إياه الله والتاريخ والجغرافيا.. وإلا فإن هذه الكرة التي تجلب لنا كل المتاعب، لا نريدها أبداً.

كاتب عراقي

Al.dulaimi@hotmail.com