حركة دبلوماسية ناشطة هذه الأيام، من واشنطن إلى باريس إلى بعض عواصم الشرق الأوسط.. قمم ولقاءات تعقد، ومحاولات أمريكية لإعادة تموضع في إطار جهود إطلاق المفاوضات، بعد سقوط «الشرط الاستيطاني» الذي وضعته واشنطن أمام السياسة الإسرائيلية وقبولها بالموقف الإسرائيلي، مع تداعيات ذلك على مصداقية الدور الأمريكي.

في ظل هذه الحركة الدبلوماسية الناشطة التي يمكن إدراجها تحت عنوان التفاوض حول كيفية التفاوض، يبدو وكأن الولوج إلى المفاوضات هو الهدف، من أجل احتواء الوضع ومنع تصاعد التوتر، وليس الالتزام بمرجعيات التفاوض ووضوح الأهداف التي يفترض أن تشكل آفاق المفاوضات ضمن إطار زمني يتفق عليه.

وعلى خلفية الانهيار والجمود القاتل والاهتزاز الكبير على الصعيدين العربي والفلسطيني، الذي أصاب الرهان على سياسة أمريكية تعيد إطلاق المفاوضات.. في ظل ذلك كله تبدأ «حرب» المقترحات حول التسوية المستقبلية.

أول هذه المقترحات دون شك، ما هدد به كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات من العودة إلى شعار «الدولة الواحدة». الشعار الذي كان جذابا في السبعينات على الصعيدين الفلسطيني والعربي، ولكنه كان دائما مرفوضا على الصعيد الإسرائيلي، وهو في كل حال مستحيل التحقيق.

ولكن تبدو هنالك خيارات خمسة أخرى، بعضها ينتج عن مقترحات وبعضها قد يكون نتيجة تطور الأمور.. أولا، إعلان قيام الدولة الفلسطينية، أو مشروع سلام فياض، على أن يقوم بذلك مجلس الأمن، ويتكرر الحديث عن هذا الخيار في الذكرى الحادية والعشرين لإعلان الدولة الفلسطينية في المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر.

«دولة سلام فياض» التي يفترض أن تقوم خلال سنتين، تتبع نموذج تيمور الشرقية التي أصدرت الأمم المتحدة قرارا بإقامة دولتها عام 2002، لكن الأمور مختلفة كليا بين الحالتين، فهذا الخيار يقف حائلا دونه فيتو أمريكي وربما أوروبي والاحتلال الجاثم على الأرض.

ثانيا، دولة أحادية القرار، كأن يرد الفلسطينيون على فيتو أمريكي في مجلس الأمن، من خلال إعلان أحادي بإقامة هذه الدولة، أو كأن لا يذهب الفلسطينيون ومعهم العرب إلى مجلس الأمن، تلافيا لتداعيات يشكلها هذا الفيتو ولإحراجات يريد تلافيها أصحاب المشروع، فيعلنون الدولة كما حصل مع كوسوفو عام 2008، على أن يأتي الاعتراف بها من أكثرية أعضاء الأمم المتحدة.

رغم ذلك تبقى المشكلة قائمة وبشكل أكبر من الحالة الأولى، باعتبار أن هذه الدولة ستقوم عمليا على المنطقة (أ) التي تخضع أمنيا وإداريا للسلطة الفلسطينية، وستعاني حصارا إسرائيليا، والأرجح أيضا اجتياحا لهذه المنطقة ضمن السيناريو الثاني تحديدا، الأمر الذي قد يؤدي إلى سقوط السلطة كليا واندثارها، وتحول الضفة الغربية إلى نوع من الصوملة.

كما يحذر من ذلك أكثر من مراقب، مع تداعيات هذا الأمر على كافة الأصعدة في إطار دبلوماسية النزاع العربي ـ الإسرائيلي. ثالثا، خيار الذهاب إلى مجلس الأمن والتوصل إلى تسوية حول الدولة، من خلال إغراق «سمكة» الدولة في «بحر» الشروط والقيود التي يحملها قرار من هذا النوع، لتكون تسوية إخراجية للطرف الفلسطيني والإسرائيلي والأمريكي، باعتبار أن هنالك رأيا يستند إلى معطيات موضوعية، بعدم ذهاب الفلسطينيين لحد الصدام المفتوح مع واشنطن.

وتستند هذه القراءة إلى السياقات الفلسطينية والعربية القائمة، فيأتي قرار مجلس الأمن بتأييد قيام الدولة، ووضع شروط تفاوضية وتعاقدية فلسطينية إسرائيلية للوصول إلى ذلك.

رابعا، اتفاق مرحلي طويل الأجل، وهو ما يطرحه البعض إسرائيليا وغربيا تحت مسميات مختلفة، منها مدخل السلام الاقتصادي الذي يقدمه نتانياهو، ومنها الدولة المؤقتة التي يتحدث عنها أكثر من طرف، وتحديدا يرتبط هذا المشروع حاليا باسم شاؤول موفاز وزير الدفاع الإسرائيلي السابق وأحد أبرز قادة حزب كاديما، وهو يقول بقيام الدولة على 60% من الضفة مع تعهد بالانسحاب من 92%.

والخيار المرحلي بمسمياته المختلفة يلقى معارضة فلسطينية شديدة، إذ يقيد الفلسطينيين فيما يسمح لإسرائيل بتكريس سياسة الأمر الواقع.

خامسا، خيار يمكن وصفه «بتسليم المفتاح» أو الإعلان الفلسطيني عن إسقاط السلطة، مما يؤدي إلى خلط الأوراق والعودة إلى المربع الأول، باعتبار أن وجود سلطة ضعيفة مقيدة أمامها أفق مسدود، هو أسوأ خيار إذ يحملها مسؤوليات كبيرة أمام الشعب الفلسطيني وأمام المجتمع الدولي في إطار ديناميكية الصراع العربي ـ الإسرائيلي، ولا يسمح بإحداث أي تقدم على الأرض لمصلحة تحقيق الحقوق الوطنية الفلسطينية.

ويبدو في ظل المعطيات القائمة والسياقات السياسية المستمرة، أنه أيا كان المدخل أو الخيار الذي سيوضع على الطاولة، وتحديدا الخيارات الثلاثة الأولى، فإننا ذاهبون مجددا إلى المربع الأول.. نحو انتفاضة ثالثة تعيد طرح الموضوع الفلسطيني برمته من جديد، وبخيارات مختلفة. هذا إذا لم تبلور القيادات الوطنية الفلسطينية، إلى أي فئة انتمت، إستراتيجية عمل وطني مشتركة، وهذا ما يبدو بعيد الحصول حسب المؤشرات القائمة.

كاتب لبناني

hitti@wanadoo.fr