السؤال الأول الذي يشغل في الوقت الحالي رجال الاقتصاد وواضعي السياسات الفيدرالية الأميركية ومسؤولي «مين ستريت»، هو: هل سيتحقق التعافي من التردي الأميركي الحالي بحلول نهاية العام أم أوائل العام المقبل؟
يعلق المراقبون خارج الولايات المتحدة، في أوروبا وآسيا وأميركا الجنوبية، الآمال على أن القاطرة الأميركية ستبدأ في تنشيط الطلب العالمي.
ولدهشة الكثير من المختصين في الاقتصاد الكلي، فإنه حتى الآن لا تزال مؤشرات أسعار الأسهم على امتداد العالم، تقاوم اتجاه الخروج من دائرة التردي الراهن. فأسعار العقارات في الولايات المتحدة لا تزال تتردى وتواصل تراجعها عن القمم التي كانت قد بلغتها في ظل الفقاعة التي سادت طويلا، وعمليات البناء للمنازل والمكاتب والمصانع لم تبدأ بعد في النمو على أسس صافية.
كما لا تزال التقارير السابقة المتفائلة بصورة مضللة حول أرباح المصارف وشركات التأمين والمؤسسات، يتبعها إقرار بالقصور في تحقيق ما كان متوقعا.
وبالطبع فإن أسعار الأسهم العالمية يمكن أن تتردى في مثل هذه الوضعية السائدة في الأسواق، وكان هذا ما حدث غالبا في 2008 و2009.
غير أنه في الشهور الأخيرة من العام الحالي، كان هناك ارتفاع ملحوظ في أسعار الأسهم، في اتجاه مستويات ما قبل التردي. ومثل هذه الانتعاشات المبكرة كانت نادرة للغاية في التاريخ الاقتصادي.
بعد انهيار وول ستريت في أكتوبر عام 1929، اقتضى الأمر سنوات، بل عقودا لكي يصل مؤشر «داو» مجددا إلى القمم التي بلغها قبل الركود. وليس هذا لغزا، فما كان مختلفا تماما عن الجمود الذي التزمه وقتها الرئيس هوفر، هو التدخلات بالتنشيط من قبل بن برنانكي رئيس الاحتياطي الفيدرالي وهنري بولسون وزير الخزانة في إدارة بوش.
لقد قاما بضخ الأرصدة الحكومية إلى المؤسسات المالية التي تعاني من المتاعب، وذلك على نطاق لم يسبق له مثيل. وعندما بدا أن عدة مئات من مليارات الدولارات في صورة عناصر دعم ليست كافية، بادرا بضخ المزيد.
هنا ينبغي أن أتوقف قليلا للإشادة ببرنانكي، في ضوء المرونة التي تمتع بها. فهو في بداية رئاسته للاحتياطي الفيدرالي، ركز بصورة رئيسية على أهمية السيطرة على التضخم، وكذلك الالتزام بالشفافية.
غير أنه في قفزة نوعيه نحو أسلوب غير مألوف من تحرك البنك المركزي، أصبح التركيز منصبا على دعم المجتمع المتهاوي. ترى، هل كان يمكن لآلان جرينسبان الرئيس السابق للاحتياطي الفيدرالي أن يكون على درجة مماثلة من المرونة وسرعة الحركة؟
إننا لا نعرف الإجابة على هذا السؤال أبدا، ومع الفوز الكاسح الذي حققه الحزب الديمقراطي عام 2008 وفي ظل إدارة باراك أوباما، حصل الاحتياطي الفيدرالي على المساعدة من الكونغرس والإدارات التنفيذية.
هل حقق الفريق الجيد والمتنوع الذي اختاره الرئيس أوباما فوزا سريعا على البطالة الكبيرة والإنفاق الاستهلاكي والصناعي المتراجع؟ لا.. لم يحدث هذا بالطبع. فروما لم تشيد في يوم واحد.
وفي السنوات العاصفة الممتدة من عام 1933 إلى 1939، احتاج ابتكار النهج الجديد الذي جاء به روزفلت، إلى المزيد من الوقت لوضع نهاية للكساد الموروث في السنوات من عام 1929 إلى 1933.
وأعود الآن إلى المشهد السائد في عام 2009 في الولايات المتحدة وفي ثلاث قارات أخرى. فحتى الآن تبدو الولايات المتحدة أكثر سرعة في الانطلاق نحو التعافي من الاتحاد الأوروبي. لقد تحرك «بنك أوف انجلاند» بالفعل، ولكن ذلك لم يحدث إلا بعد التردد، والبنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت قام مؤخرا، بعد تأخر ملحوظ، بتقليل ملموس لأسعار الفائدة على المدى القصير في أوروبا.
عندما يرى المرء الأخبار العالمية السيئة كلها تقريبا، فإنه يغدو من الجيد في بعض الأحيان ملاحظة الدول القليلة التي تمكنت من تجنب التردي الاقتصادي وتراجعات «مين ستريت». وهناك مثالان جيدان في هذا الصدد، هما النرويج وتشيلي.
عندما غمر النفط النرويج بعوائد كبيرة، بادرت بصورة حكيمة إلى الادخار من أجل المستقبل. وبالمثل عندما حققت تشيلي الثراء من ارتفاع النحاس، بادرت إلى استثمار العوائد التي حققتها. حقا أن البلدين قد صادفهما الحظ، ولكنهما اختزنا عائد هذا الحظ.
وفي المقابل، فإن أيرلندا وأيسلندا كانتا من الدول التي حلقت عاليا في سنوات الفقاعة. وبينما كان الأيسلنديون في وقت من الأوقات أسعد شعوب الدنيا، فإنهم أصبحوا أكثر شعوبها بؤسا عندما أفلست عدة مصارف كبرى. وفي أيرلندا وأيسلندا، تعلم الناس الطريقة الصعبة من فحوى قانون إسحق نيوتن عن الفعل ورد الفعل، وعرفوا أن ما يحلق عاليا يمكن أن يهوي بشدة.
ليس من الممكن الاعتماد على التاريخ في تكرار نفسه. في الوقت الحالي، وعلى الرغم من الدفق المتواصل للأنباء المتضاربة، فإن بن برنانكي يتوقع نهاية محتملة للركود بحلول نهاية العام الحالي أو مطلع العام الجديد. وهو ليس وحده الذي يتبنى هذه الرؤية، فمعظم المضاربين الذين يتعاملون في الأسهم والسندات يتبنون هذه الرؤية نفسها.
أما توقعاتي فهي أكثر حذرا. نعم، يمكن أن يكون هناك ارتفاع في إجمالي الناتج المحلي الأميركي عند المنعطف التالي، ويمكن للمكتب القومي الأميركي للأبحاث الاقتصادية الذي يعطي تواريخ محددة لعمليات الانتعاش والركود، أن يعلن ذات يوم أن ركودنا الحالي قد انتهى في نهاية عام 2009. ولكن عندما تحين تلك النهاية.. ألا يمكن أن يتبعها ضعف متواصل في الوظائف المتاحة وكذلك سلسلة متواصلة من عمليات الإفلاس؟
دعونا نطلق على الفترة من 1990 إلى 2009 «العقود المفقودة»، على الطريقة اليابانية. وإذا كان تعافينا المقبل ضعيفا، فإن كتب التاريخ سترسم صورة مقيتة للفترتين اللتين أمضاهما بوش في البيت الأبيض.
أستاذ في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا