عقد في رام الله آمس مؤتمر برعاية من التعاون الايطالي كان عنونها " المستقبل الأخضر". والواقع أن المؤتمر ومداولاته وما تخلله من مداخلات ومشاركات تعكس الواقع البيئي المتردي نتيجة للاحتلال الاسرائيلي وممارساته الجائرة في الأراضي الفلسطينية من جهة وغياب الوعي البيئي الىحد كبير من الجهة الأخرى، مما يدفع بالبعض الى الإضرار بالطبيعة التي كانت قبل الاحتلال نقية آمنة، فجاء الاحتلال والجهل البيئي ليلحقا افدح الأضرار بالأرض والشجر والهواء والماء، وكل المظاهر الطبيعية المحيطة بالفلسطينيين.

موضوع البيئة متعدد الجوانب ويحتاج إلى أكثر من مؤتمر لتحديد أبعاده ووصف واقعه والآثار المترتبة عن العوامل السلبية التي تعيث في البيئة فسادا وتلويثا. ويحتاج قبل هذا كله وبعده، إلى جهود منظمة ومخطط لها لاحتواء الأضرار البيئية الفادحة التي لحقت بأرضنا وهوائنا ومياهنا. والبداية تكون بخطة وقائية توقف التدهور المستمر في الواقع البيئي الفلسطيني، ومن ثم اصلاح ما يمكن اصلاحه من هذا الواقع- وهو جهد لا يمكن للشعب الفلسطيني القيام به وحده لأنه يتطلب امكانات تقنية وخبرات تخصصية، ويحتاج تمويلا باهظ الكلفة ليس بإمكان الفلسطينيين توفيره في ظروفهم الاقتصادية الصعبة السائدة تحت نير الاحتلال.

ومن الانصاف القول أن الجهة المنظمة قدمت متحدثين من الجانب الايطالي عرضوا ارقاما محددة، وشرحوا تقنيات متطورة سواء لجهة المباني الصديقة للبيئة آم ما يعرف بالطاقة البديلة أو المتجددة- بما في ذلك الطاقة الشمسية والطاقة الناتجة عن حركة الرياح. كما ابدوا استعدادهم لمساعدة الشعب الفلسطيني وبصورة خاصة في قطاع غزة، حيث دمرت آلاف من المنازل كليا أو جزئيا خلال الحرب الاسرائيلية على القطاع مطلع هذا العام.

الا أن السلطات الاسرائيلية تحول دون اعادة بناء المباني المدمرة، كما هي المسؤولة عن اقامة الجدار الفاصل الذي التهم مئات الدونمات من الأراضي الزراعية الخصبة، واقتلعت من أجل إقامته آلاف الأشجار، وعزل الكثيرين من المزارعين عن حقولهم فيبست الأشجار وانخفض المحصول الزراعي، وتحولت الأرض المنتجة إلى قفار بور لا تعرف المحاريث طريقها اليها.

المستوطنات التي التهمت مساحات واسعة من أراضي الضفة الغربية قلصت المساحة المنزرعة، واجبرت المواطنين على البناء فوق تلك الأراضي. وبالتالي فإن تحول تلك الأراضي التي شكلت حماية طبيعية للبيئة الفلسطينية إلى غابات من الحجارة هو بحد ذاته كارثة بيئية، لا يمكن ان تحدث في أي بلد حريص على الحفاظ على انتاجه الزراعي، ناهيك عن زيادته من اجل توفير الأمن الغذائي لمواطنيه.

اما الموارد المائية الفلسطينية والمخزون الجوفي منها، فإن السلطات الاسرائيلية تستنزفه باستمرار وقد جفت العديد من الينابيع بسبب الاستهلاك الجزافي، وخصوصا من قبل المستوطنات في الوقت الذي تعاني فيه القرى الفلسطينية المجاورة للمستوطنات من العطش ومتطلبات الحياة الصحية النظيفة والمريحة، بسبب أزمات المياه المستمرة.

وهناك العديد من التهديدات المتواصلة للبيئة، ليس اقلها أن الاراضي الفلسطينية تحول جانب منها إلى مكبات للنفايات الصناعية والعمرانية الاسرائيلية، وأن ما تنفثه السيارات من غاز ثاني اكسيد الكربون السام في الهواء بسبب الطرق البديلة الطويلة وغير الممهدة التي يضطر الفلسطينيون إلى استخدامها، بعد منعهم من السير في الطرق والشوارع التي اعتادوا سلوكها قبل اقامة الجدار واقامة المستوطنات وطرقها الاتفافية.

ومن المفروض ان تتوفر دراسات معمقة وتفصيلية، معززة بالأرقام والبيانات الايضاحية، حول الوضع البيئي الفلسطيني وما هو مطلوب بالضبط من الدول الصديقة التي تريد الاسهام في تحسين هذا الوضع. إن الأمر جدي وملح، ويجب عدم معالجته بالاسلوب الارتجالي ،اذا كنا نريد فلسطين نظيفة وجميلة وآمنة بيئيا من أجل الأجيال الحالية والقادمة.