قبل سبعين عاما.. اندلعت الحرب العالمية الثانية بغزو ألمانيا لبولندا. وقد صدرت آلاف الكتب عن هذه الحرب. وفي الوقت الحالي ينغمس المؤرخون في دائرة لا نهاية لها من الخلاف، حول أسباب اندلاع الحرب وكيف انتهت وما هو مغزاها.
وهناك بعض الأفكار الأكثر إثارة للخلاف حول هذا الصراع الدموي الفظيع الذي أودى بحياة 60 مليون شخص، ودمر أوروبا، ومهد الساحة فيما بعد للحرب الباردة التي دامت نصف قرن.
يعزو الكثيرون النزعات العدوانية النازية إلى الشروط التي يفترض أنها قاسية والمتضمنة في معاهدة فرساي، في أعقاب الحرب العالمية الأولى التي جردت ألمانيا المهزومة من بعض أراضيها، وطالبتها بتعويضات باهظة وقلصت مؤسستها العسكرية.
ولكن معاهدة فرساي كانت أشد ليونة بكثير مما كان الألمان أعدوه لبريطانيا وفرنسا، لو أنهم انتصروا في عام 1918. ولم تكن قاسية كالشروط التي فرضها الألمان على روسيا المهزومة في ظل معاهدة «برست.. ليتوفيسك» في أوائل عام 1918، قبل أن تخسر الصراع الأوسع نطاقا.
وهناك سبب أفضل لوقوع حرب عالمية ثانية وعدم وقوع حرب عالمية ثالثة، وهو أن ألمانيا قد تم الإشراف عليها، خلافا لما وقع بعد هزيمتها السابقة في عام 1918.
ويعزو الكثير من المؤرخين معظم الفضل في تحطيم الجيش الألماني للجيش الأحمر الروسي، وهذا أمر صحيح تماما، حيث أن اثنين من كل ثلاثة جنود قتلوا في الحرب، لقوا مصرعهم على الجبهة الشرقية القاتلة، وهي مسرح للصراع يعادل كل الجبهات الأخرى مجتمعة.
وعلى الرغم من البطولة الفائقة لملايين من الجنود الروس الشجعان، فإن الحكومة السوفيتية التي كان يرأسها جوزيف ستالين، كانت لاعبا مجردا من الأخلاق على امتداد الحرب. فقد قامت جنبا إلى جنب مع ألمانيا التي يقودها هتلر، بغزو بولندا المحايدة في سبتمبر 1939، وبعد ثلاثة أشهر هاجمت فنلندا الصغيرة.
وحتى اليوم الذي تعرض فيه الاتحاد السوفيتي للهجوم من جانب قوات هتلر، كان يزود الصناعة النازية بجانب كبير من احتياجاتها من المواد الاستراتيجية التي استخدمت لإيقاع الهزيمة بأوروبا الغربية الديمقراطية واحتلالها.
وقد تنكرت روسيا الشيوعية لمعظم وعودها في زمن الحرب، حيث حرصت على التأكد من أن الحرب التي بدأت لتحرير أوروبا الشرقية من حكومات ديكتاتورية، قد انتهت بضمان وقوع أوروبا الشرقية تحت السيطرة السوفيتية.
ومؤخرا تم التقليل من أهمية دور الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية، حيث قيل إن الأميركيين قد دخلوا الحرب متأخرين وعانوا الخسائر الأقل في صفوف العسكريين والمدنيين، بالمقارنة بالحلفاء الكبار.
ولكن ما من قوة أخرى حاربت على العديد من الجبهات وبطرق بالغة الأهمية، بما في ذلك الحملات الاستراتيجية الجوية ضد ألمانيا واليابان وحملات غزو شمال إفريقيا؛ صقلية، غرب أوروبا، وجزر المحيط الهادئ.. هذا إلى جانب عمليات الغواصات والسفن ضد الألمان واليابانيين، والقوافل الهائلة من سفن الإمداد لبريطانيا والصين والاتحاد السوفيتي.
وبالمثل أصبح شيئا أقرب إلى الصرعة، التقليل من أهمية الدور البريطاني.. بالإشارة إلى أنه بحلول عام 1943، كان احتياطيها من القوة البشرية قد استنفد، وكان الجانب الأكبر من القتال في وقت لاحق ضد دول المحور قد خاضته القوات الروسية والأميركية.
وفي حقيقة الأمر، فإن بريطانيا وحدها تقريبا قد أنقذت الحضارة الغربية، من سبتمبر 1939 إلى يونيو 1941. وابتداء من مايو 1940 حاربت وحدها تقريبا ضد قارة أوروبا المحتلة بكاملها، عندما كانت الولايات المتحدة لا تزال تتبع سياسة العزلة، والاتحاد السوفيتي يساعد القضية النازية بنشاط.
ومن الألغاز الكبرى تلك الكيفية التي صمدت بها بريطانيا، في مواجهة القصف الألماني والغواصات الألمانية والجنرال رومل المعروف باسم ثعلب الصحراء!
ونحن ننسى كذلك أن انتصار الحلفاء لم يكن محسوبا مسبقا.
فبحلول ديسمبر 1941 كانت كل الرهانات لصالح قوى المحور، حيث كانت دوله تتسلح منذ منتصف الثلاثينات، وسيطر هتلر على جانب كبير من المساحة التي يشغلها الاتحاد الأوروبي الآن.. وكذلك المناطق المجاورة له من المحيط الأطلسي حتى ضواحي موسكو.. ومن الدائرة القطبية حتى صحراء إفريقيا الكبرى. وكان معظم الصين وجنوب شرق آسيا كله تقريبا تحت الاحتلال الياباني.
لماذا إذن، استعاد الحلفاء قوتهم ثم انتصروا؟
إن ذلك يرجع إلى حد كبير للقوة البشرية الروسية، والمؤسسة الصناعية العملاقة والخبرة الحربية البريطانية. وبحلول عام 1944 كان لدى الحلفاء أفضل الدبابات وأكثرها عددا، وكذلك الحال بالنسبة للمدفعية والطائرات، وكان لديها أفضل الجيوش وأفضل القيادات ممثلة في تشرشل وروزفلت وستالين ومعظم الجنرالات المحنكين.
هل تحقق أي شيء جيد من مثل هذا السفك الوحشي للدماء؟ ربما.. فقد توقفت أخيرا الاضطهادات التي تعرض لها الكثيرون في أوروبا. كما تحولت ألمانيا وإيطاليا واليابان من أنظمة وحشية، إلى ليبرالية أنجزت أنظمتها الديمقراطية الكثير من أجل الإنسانية في السنوات اللاحقة. وقدر للحضارة الغربية أن تنجو من أعظم المخاطر التي تعرضت لها، لتطلق في العقود اللاحقة أعظم نمو للحرية والازدهار في تاريخ الكرة الأرضية.
أستاذ الدراسات الكلاسيكية والتاريخية في جامعة ستانفورد