ينحو العديد من المتابعين للشأن الفلسطيني، للقول إن إعلان الرئيس محمود عباس عزمه عدم الترشح لانتخابات رئاسة السلطة الفلسطينية، ليس سوى مناورة سياسية تكتيكية لجأ إليها مضطراً، لوضع حد للانتقادات والموجات الحادة من التعارض التي بات يواجهها بشكل واسع وغير مسبوق من داخل البيت الفلسطيني، ومن بعض قيادات وكوادر حركة فتح على وجه الخصوص، وتحديداً بعد الارتباك الذي طرأ على أداء السلطة أثناء نقاش تقرير غولدستون.

إضافة لضغوط معلومة تمارس عليه من الخارج ومن بعض القوى الإقليمية، لدفعه للجلوس على طاولة المفاوضات مع الطرف الصهيوني دون وقف عمليات التهويد والاستيطان. لذا يتوقع أصحاب هذا الرأي أن تنتهي الأمور بتراجع الرئيس عباس عن موقفه.

بينما يرى آخرون أن خطوة الرئيس عباس الأخيرة ورغبته في العزوف عن ترشيح نفسه لولاية ثانية، جاءت عن طيب خاطر، انطلاقاً من اصطدام مشروعه التسووي بجدار إسرائيلي كبير مسنود بإرادة أميركية، مما أفقده كل شيء تقريباً.

وبالتالي لم يعد قادراً على الاستمرار في سلوك النهج نفسه، في ظل عجز الدول الحامية والمساندة له، خصوصاً الولايات المتحدة، عن ممارسة ما يكفي من الضغوط على إسرائيل لحملها على أن تقدم شيئاً ملموساً للطرف الفلسطيني، وهو ما أكده واعترف به صائب عريقات الذي تحدث عن «فشل ثمانية عشر عاماً من المفاوضات مع إسرائيل».

مؤكداً أن محمود عباس «توصل إلى قناعة باستحالة إقامة دولة فلسطينية في عهد رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو». ومن جهتها، فإن غالبية القوى والفصائل الفلسطينية، بما فيها المنضوية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية كالجبهة الشعبية، قد ركزت في تناولها وتعقيبها على رغبة الرئيس عباس الأخيرة، على جوهر المسألة معتبرة أنها ليست على علاقة بهذا الشخص أو ذاك.

كما هي ليست مسألة شخصية في التخيير بين أبو مازن أو أي من رموز السلطة الفلسطينية، بل في التقاط جوهر الموضوع المتمثل في ضرورة قيام السلطة بإجراء مراجعة للذات ولسياساتها التي انتهجتها طوال السنوات الماضية، والمآلات التي أوصلتها إليها، ومعها الشعب الفلسطيني.

وفي هذا السياق، جاء الموقف الأميركي، كما الإسرائيلي، من إعلان الرئيس عباس، مليئاً ب«الشماتة» من جهة والوضوح من جهة ثانية.

فقد أشارت الوزيرة كلينتون إلى أن «الإدارة الأميركية تشكر عباس على دوره، وستتعامل مع أي شخص جديد»، فيما قال نتنياهو إن «أبو مازن يفتقد الشجاعة الكافية حتى يقول الحقيقة لشعبه، ولا يمتلك الشجاعة للاعتراف بأن السلطة الفلسطينية وضعت لهذا الشعب سقفاً عالياً لا تستطيع إيصاله إليه».

وكذلك طرحت المصادر الصهيونية ثلاثة أسماء إضافية هي: ناصر القدوة، ابن أخت الرئيس الراحل ياسر عرفات، ونبيل شعث، وأحمد قريع.

وبالرغم من رفض اللجنة المركزية لحركة فتح ومعها اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، لرغبة الرئيس محمود عباس بالإحجام عن ترشيح نفسه، ورغم المواقف الإسرائيلية والأميركية (الظاهرية) غير المبالية برغبة الرئيس عباس، فإن الأرجح هو طي تلك الرغبة، وأن تسير التطورات القادمة وفق عدد محدود من السيناريوهات، منها السيناريو الأكثر احتمالاً وتواتراً، وهو وقوع ترضيات ورشوات تفاوضية صغيرة لإعادة ماء وجه السلطة.

وبالتالي عودة الطرفين للتفاوض ولدوامة المماحكات داخل الغرف المغلقة، دون أي إنجاز ملموس. أما السيناريو الآخر والأقل احتمالاً، فيتمثل في حل السلطة كما تطالب بعض فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وإعادة مجمل القضية الفلسطينية إلى دائرتها الأولى في مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة، ووضع المجموعة الدولية أمام مسؤولياتها تجاه هذا الشعب المحتل.

أما السيناريو الثالث، فيتمثل في توقعات بزيادة أجواء الاحتقان داخل الأرض المحتلة، مما يهيئ لبروز شرارات انتفاضة فلسطينية ثالثة، تدفع الشعب الفلسطيني إلى المقاومة كأقصر الطرق لتحقيق الحرية والعودة. وبغض النظر عن كون خطوة عباس تكتيكية أم مبدئية، فإنه يلخص استنتاجاً واضحاً بوصول عملية التسوية إلى الجدار المسدود، وهو ما يستوجب وقفة صريحة ونقدية لهذه المسيرة، وإعادة بناء الخيارات الوطنية الفلسطينية المتعددة، ومغادرة موقع الخيار الصفري اليتيم.

كاتب فلسطيني ـ دمشق

bdwan60@aloola.sy