حسين العودات

إن من واجبات الدول الكبرى تجاه الشعوب الضعيفة أو المستضعفة، أن لا تنطلق من فراغ في رسم سياساتها مع هذه الشعوب، أو تتجاهل خصوصياتها وقيمها، وينبغي أن تضع في اعتبارها أن ما يكتب على الورق أو ما تقرره البيروقراطية السياسية أو العسكرية، لا يكون صالحاً للتطبيق دائماً، فالتعامل مع الشعوب أكثر تعقيداً وتنوعاً وصعوبة، وهذا ما يجب أن يتذكره الأميركيون، خاصة أن تاريخهم لا يبتعد كثيراً عن القبض والدفع، وعن قيم الرأسمالية والاحتكارات التي لا تصلح دائماً للتطبيق خارج الولايات المتحدة.

ولعل التجاهل الأميركي التقليدي لأحداث التاريخ وتجاربه لأخذ العبر منها، يبدو جلياً في أفغانستان (كما العراق)، وهو ما يؤدي إلى انتقال السياسة الأميركية من حرج إلى إحراج ومن فشل إلى فشل، وسيبقى هذا الفشل مستمراً ومتتالياً، ولن توقفه أو تغيره نيات الرئيس أوباما الطيبة. فالنيات التي لا تترافق مع شروط موضوعية وممارسات حكيمة، ستكون ضربة في فراغ ورسماً على الماء.

لم يستطع غازٍ أو مستعمر أو محتل أن يستقر في أفغانستان خلال التاريخ، لا التاريخ القديم الممثل بفشل جيوش الإسكندر المكدوني، ومحاولات الدولة الفارسية والإمبراطورية الساسانية احتلال هذا البلد، ولا التاريخ الحديث الممثل بالاستعمار البريطاني ثم بالغزو العسكري السوفييتي، ولن يكون التواجد العسكري المعاصر لحلف شمال الأطلسي شاذاً عن سواه وقادراً على الاستقرار.

ومعلوم أن حركة القاعدة والفصائل التي سميت بـ «المجاهدين»، كانت بدون استثناء ـ في بداياتها ـ صناعة أميركية، دعمتها السياسة الأميركية بدون تحفظ، وزودتها بالمال والسلاح وقدمت لها التسهيلات والخدمات، ورحبت بشعاراتها الدينية (التي لا علاقة لها بالدين) ومجدت مسيرتها، وكل ذلك في سبيل محاربة التدخل السوفييتي في أفغانستان.

ولم تفكر السياسة الأميركية في ما هو بعد الانتصار، خاصة بنية الدولة التي سوف يؤسسها «المجاهدون» وتركيبتها وسياساتها الداخلية والخارجية، واكتفت بتسليح المتطرفين والجهلة ودعمهم وإطلاقهم يحاربون بلا هدى، مما جعل السحر ينقلب على الساحر فيما بعد.

يعرف المعنيون أن حركة طالبان هي من صناعة المخابرات العسكرية الباكستانية بدون لبس، وبموافقة ودعم أميركي صريح. وقد أطلقت هذه المخابرات عشرات آلاف طلاب المدارس الدينية أو الذين تخرجوا منها في الباكستان، ودعمتهم بمختلف أشكال الدعم، كي تقضي على الخلافات بين حركات «المجاهدين» التي بدلاً من أن تحقق الاستقرار والتنمية في أفغانستان، بدأت حرباً أهلية دمرت هذا البلد البائس.

فجاءت طالبان وسيطرت عليه وأقامت دولتها (الإمارة الإسلامية)، وكان من الطبيعي أن تقوم هذه الدولة حسب «الفقه» المشوه الذي تعلمته، فجلدت الشعب الأفغاني، وأتاحت لـ «ابن لادن» تأسيس تنظيم القاعدة، ورسخت التعاون معه، إلى أن صار دولة داخل الدولة. ولم تتذكر السياسة الأميركية خطورة القاعدة، إلا بعد أن فلت الملق، وفقدت السيطرة.

لقد بدأت السياسة الأميركية حربها ضد القاعدة والإرهاب، بعد جريمة تدمير البرجين في نيويورك وأحداث الحادي عشر من سبتمبر، لكنها لم تكتف بضرب القاعدة، بل حاولت محاربة الإسلام والمسلمين، وكانت حكومة طالبان أول من أسقطته القنابل الأميركية.

ومنذ ذلك الوقت حتى الآن، لم تقدم لا السياسة الأميركية ولا أحد غيرها، دليلاً واحداً على أن طالبان دعمت عملاً إرهابياً خارج أفغانستان أو قامت بمثل هذا العمل، وقد أكدت طالبان براءتها من جميع الأعمال العنيفة خارج بلادها.

رحلت منظمة القاعدة إلى خارج أفغانستان قبل سنوات، وربما استقرت في شمال غرب باكستان، بعد القصف الكثيف على مواقعها، ولم يعد أحد من أفرادها يقيم في أفغانستان، وأصبحت القضية الآن أن الولايات المتحدة تورطت عسكرياً في هذا البلد، ولا تستطيع إيجاد السبل للخروج منه غير مهزومة ولا «مبهدلة».

وهي تبرر استمرار تواجد عسكرها وعسكر حلفائها، بالصد المسبق لغائلة الإرهاب ومحاربته خارج بلادها، فإذا كانت منظمة القاعدة قد رحلت من أفغانستان، وحركة طالبان تقسم «بأغلظ الأيمان» أن لا علاقة لها بالإرهاب، فما هو إذن مبرر استمرار الوجود العسكري للحلف الأطلسي في أفغانستان؟

معروفة أوصاف الدولة التي أقامتها طالبان في أفغانستان، ونظمها وتقاليدها وقوانينها وتخلفها وبعدها عن العصر، وأضرارها التي عانى منها الشعب الأفغاني خلال حكمها، ومعروف أن مبادئ هذه الحركة وسلوكها وأعرافها وقيمها، هي مبادئ متخلفة لا تستطيع حل مشاكل الشعب الأفغاني.

ورغم هذا السوء الذي اتصف به حكم طالبان، فليس من مهمة الولايات المتحدة أو دول حلف شمال الأطلسي أو غيرها، أن تحل مشاكل الشعب الأفغاني، وأن تلغي حقه في تقرير مصيره، وتحدد شكل نظامه السياسي وتعين حاكمه، سواء كان الحاكم طالبان أو غيرها.. وهل يمكن لدولة أو مجموعة دول في عصرنا أن تنصّب حاكماً لشعب آخر على مزاجها؟

إن الشرعية الدولية والأخلاقية تقضي أن يرحل عسكر حلف شمال الأطلسي، ويتركوا أفغانستان حتى لو حكمتها طالبان بعدهم، فالشعب الأفغاني هو الوحيد القادر على اختيار نظامه السياسي وحكومته، وإسقاط طالبان مهما بلغت قوتها وتنامى قمعها. وربما كان على الولايات المتحدة أن تسارع إلى إجراء حوار مع طالبان ومع التيارات السياسية والاجتماعية الأفغانية، واحترام حقها في تقرير مصير بلدها.. أم تريد الإدارة تجربة فيتنامية أخرى؟

كاتب سوري

odat-h@scs-net.org