كانت الزيارة الأولى التي قام بها الرئيس السوري بشار الأسد لفرنسا كرئيس، في شهر يوليو2008، وكان ذلك للمساهمة في الإعلان الرسمي عن قيام الاتحاد من أجل المتوسط.
كانت الخطوة هامة بالنسبة لسوريا التي أكّدت عودتها إلى المسرح الدولي كقوّة إقليمية لا يمكن تجاوزها، وكانت هامة أيضا بالنسبة لفرنسا بعودتها إلى مسرح الشرق الأوسط؛ خاصّة وأن الرئيس نيكولا ساركوزي أبدى منذ وصوله إلى قصر الإليزيه، رغبة واضحة في لعب دور في هذه المنطقة «المضطربة» من العالم، لكن دون أيّة نتيجة ملموسة حتى الآن.
كان التغيير الجذري لنهج القطيعة مع سوريا في عهد الرئيس السابق جاك شيراك منذ عام 2004، مفاجئا . وللتذكير، كان الرئيس شيراك نفسه قد اعتبر لفترة طويلة أن وجود القوات السورية في لبنان ساهم في استقراره، قبل أن يغيّر موقفه ويدعم بقوّة القرار 1559 للمطالبة بخروجها، مما كان بمثابة إعلان حرب على سوريا.
وكان الرئيس ساركوزي نفسه قد أعلن عندما كان مرشحا للرئاسة، أنه يعارض تماما انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي كي لا تصبح له حدود مع سوريا والعراق. بل وكان قد أكّد في القاهرة، بعد فوزه بالرئاسة، أنه لن يقيم أيّة علاقات مع دمشق. التغيّر كان سريعا، إلى درجة أنه أثار في الواقع تساؤلات حول ما تريده فرنسا من سوريا.
مهما يكن من أمر البارحة، فالأمور تغيّرت ونحن أبناء اليوم . زيارتان رئاسيتان من كل طرف خلال أقل من عامين، وأمين عام الرئاسة كلود غينا والمستشار الخاص للرئيس الفرنسي جان دافيد لافيت، يقومان برحلات مكوكية بين دمشق وباريس، وعلاقات اقتصادية ـ الوزيرة الفرنسية للاقتصاد والمالية كريستين لاغارد ستكون في سوريا قريبا ـ ووفود سياسية وبرلمانية، واتفاقات وعقود ولقاءات من كل نوع على مختلف المستويات.
وفي مثل هذا السياق الودّي للغاية ، جاءت زيارة الرئيس السوري بشار الأسد لفرنسا قبل عدّة أيام. وكان قد سبقها مباشرة لقاء بين الرئيس ساركوزي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، العائد من واشنطن، في العاصمة الفرنسية. ومن الملفت للانتباه أن اللقاء أُحيط في فرنسا بضجّة إعلامية وبحفاوة مبالغ فيها، بعد أن كان الرئيس أوباما قد استقبل نتنياهو بما يشبه السرّية .
لا شك أن الرئيس الفرنسي أراد أن يقول إنه الصديق الأكبر لإسرائيل ، على أمل أن يكون لصوته صديً لديها. وقد خرج البيان المشترك عن تلك الزيارة دون أية إشارة لمسألة تجميد بناء المستوطنات. الرسالة كانت إجمالا واضحة، وهي أنه يمكن لباريس أن تلعب دور محرّك السلام في الشرق الأوسط، خاصّة بعد انحسار دور أوباما. وبالفعل اقترح الرئيس ساركوزي مؤتمرا للسلام في الشرق الأوسط تستضيفه العاصمة الفرنسية.
لقد بدأ الجد إذن، بعد المقدمات الطويلة لـ كسب الثقة . الرئيس ساركوزي حمل في الواقع ما يشبه رسالة، مفادها أن إسرائيل تريد التفاوض وتريد السلام . هذا إلى جانب إعلان نتنياهو عن استعداده للقاء الرئيس الأسد في أي وقت يريد وفي أي مكان يريد . وهذا كله دون أية شروط مسبقة.
الصورة تبدو جميلة ، لكنها بالتأكيد ليست بريئة . وليس بريئا أيضا هذا الكمّ من عناوين الصحف الفرنسية، التي تشير كلّها ـ مثلما جرت العادة ـ إلى أن إسرائيل مستعدة لاستئناف مفاوضات السلام مع سوريا .
إنها نفس نغمة السلام التي ترددها إسرائيل، وتهلل لها الصحافة الغربية، عندما تواجه الضغوط الدولية. وليس بعيدا اليوم الذي أعلن فيه نتنياهو في شهر مايو الماضي، أي إثر خطاب أوباما في القاهرة، أنه سيلقي خطابا هاما حول السلام. وكان مما قاله: أريد أن تكون الأمور واضحة، وهي أننا نريد الوصول إلى سلام مع الفلسطينيين ومع البلدان العربية، وبأقصى درجة ممكنة من التفاهم مع الولايات المتحدة . التفاهم مع الولايات المتحدة تمّ فعلا، ولكن في اتجاه اختفى معه أفق السلام.
وهذه المرّة تتردد الدعوة للمفاوضات بدون شروط . لكن كان الردّ السوري ثابتا مرّة أخرى حول هذا الموضوع، وهو أن سوريا ليست لديها شروط، ولكن لها حقوق وهي لن تتخلّى عن حقوقها ، وأنه لا تفاوض على الجولان .
كما قال رئيسها. وكان الإصرار السوري على جلاء إسرائيل عن الجولان، هو السبب المباشر في فشل المفاوضات عام 2000. لكن الرئيس السوري ترك الباب مفتوحا هذه المرّة للبحث، عبر تركيا، وبدعم أوروبا عن عناصر أخرى للسلام، مثل المياه والإجراءات الأمنية وتطبيع العلاقات.
لا شك أن هناك ملفات أخرى تهمّ العلاقات السورية ـ الفرنسية ولها كلّها حساباتها، وليس أقلّها توقيع اتفاق شراكة مع الاتحاد الأوروبي. اتفاق أرادته سوريا عام 2004 لمواجهة العقوبات الأميركية، لكن العالم تغيّر وسوريا تحتاجه اليوم بدرجة أقل، ولا تريد أن تعطي الاتحاد الأوروبي امتيازات تجارية دون مقابل.
وفي المحصلة، لا يختلف اثنان على أن العلاقات الفرنسية ـ السورية قد عادت لها الروح وتقدّمت خطوات كبيرة. لكن إلى أين يمكن أن تصل؟ هذا يتطلّب بالفعل وقفة تأمّل، فالرهانات أبعد من التجارة والمصالح الآنية.
كاتب سوري