كشفت الأزمة المالية الراهنة عن تحول كبير في المفاهيم والتوجهات السياسية والاقتصادية؛ فلم يعد العالم، وبشكل خاص الجانب الاقتصادي منه، مثلما كان عليه قبل الأزمة المالية في أغسطس 2008.

ورغم التأثيرات الهائلة لتلك الأزمة، فإن بعض التحليلات السياسية والاقتصادية تؤكد أنها لم تكشف بعد عن كل التأثيرات المرتبطة بها، وأن القادم ربما يكون أسوأ بالنسبة لبعض الدول، مثل أوكرانيا والأرجنتين وباكستان ونيجيريا ومصر. وتبدو تلك التأثيرات بالنظر لموجات السخط الاجتماعي القادمة والمتوقعة في هذه البلدان، المرتبطة بارتفاع نسب البطالة وضعف الخدمات الاجتماعية المقدمة.

ولعل ذلك هو ما أدى لتحول الدولة في المجتمعات الرأسمالية، إلى ما أصبح يعرف باسم «الدولة الرأسمالية»، وهي نوعية من الدول لم تظهر فقط في أعقاب الأزمة المالية بقدر ما ظهرت بوادرها منذ ثلاثة عقود. ولقد جاءت نشأة الدولة الرأسمالية مع ظهور منظمة أوبك للبترول، وتأميم البترول الوطني من قبل الدول الأعضاء بها، وهو الأمر الذي أدى لظهور الشركات الوطنية على حساب الشركات الدولية التي لم تعد اللاعب الرئيس في سوق الطاقة العالمي.

فهذه الدول لم تتخل عن الرأسمالية كتوجه اقتصادي، لكنها في الوقت نفسه لم تتخل عن إرادتها الوطنية لصالح الشركات متعددة الجنسيات، وهي خطوة بقدر ما كانت تعبر عن الرغبة في الاستقلال السياسي، فقد كانت تعبر في الوقت نفسه عن الرغبة في الاستقلال الاقتصادي.

كما ارتبط ظهور الدولة الرأسمالية الحديثة بظهور بعض الأسواق الصاعدة، مثل البرازيل وروسيا والهند والصين، في سياق ملكية الدولة للمشروعات المختلفة. فهذه الدول لم تتخل عن أدوارها الاقتصادية الوطنية وسياساتها الاجتماعية العديدة، خصوصا في ظل ارتفاع نسب النمو الاقتصادي فيها.

وبشكل خاص في الصين والهند اللتين تشكلان تحديا كبيرا لأميركا في العقود القليلة القادمة. فالأدوار الهائلة التي قامت بها هذه الدول في التقدم الاقتصادي والتنموي، أكدت بدرجة أو بأخرى على ضرورة أن تتخذ الدولة بعض القرارات التي تساعد في حفظ الاستقرار والأمن الاجتماعيين.

إضافة إلى ذلك جاء صعود الدولة الرأسمالية مصاحبا لظهور صناديق الثروة السيادية حديثا، وتقريبا منذ خمس سنوات حينما أصبحت مصادر لتمويل أسواق المال العالمية. فهذه الصناديق السياسية تخضع مباشرة لسيطرة الدول والحكومات، وهو أمر قد ساعد على استقرارها وعلى استخدام أصولها في بعض الأحيان، من أجل أهداف سياسية واقتصادية في الوقت نفسه، الأمر الذي منح هذه الدول قدرا كبيرا من الأهمية والنفوذ الكونيين.

ورغم القدم النسبي للدولة الرأسمالية، فإن الظهور الحديث لها جاء بشكل واضح في أعقاب انهيار مؤسسة التمويل المالي «ليمان برازر»، وهو ما دفع الحكومات حول العالم للتدخل في مواجهة أعباء الأزمة المالية، وضخ بعض الأموال من أجل مواجهة الانهيارات المالية الهائلة التي فاقت كل التوقعات.

فقد كان من الضروري التدخل السريع من قبل الدولة في المجتمعات الرأسمالية، بشكل أعاد للأذهان شكل الدولة في المجتمعات الاشتراكية، وتدخلها في كافة مناحي الاقتصاد. ورغم أن الدولة الرأسمالية وُلدت من رحم الرأسمالية، إلا أنها وجدت نفسها مُطالبة بمواجهات حادة مع أسس الاقتصاد الحر القائمة على عدم التدخل في الاقتصاد. كما أن تحولات ما بعد الأزمة دفعت نحو بعض السياسات والتوجهات الإقليمية على حساب الكوني منها، وبشكل خاص في ما يتعلق بتدفق الأموال وانتقالها من مكان لآخر.

وتظهر تحولات الدولة الرأسمالية في ما قامت به الولايات المتحدة في أعقاب الأزمة الراهنة، لكن من غير المتصور أن تستمر الولايات المتحدة في النهج الفعال نفسه الذي قامت به في أعقاب الأزمة. فاللافت للنظر هنا هو وجود اختلافات بين ممارسات أميركا والصين بالنظر لأعباء الأزمة، وهو ما أدى لاستمرار الركود في الأولى ونهايته في الثانية. ففي الصين تتدفق الأموال بسرعة، كما تتسم الحكومة بالوحدة على عكس الانقسام السياسي في أميركا.

وما قامت به الولايات المتحدة ومجموعة السبع الكبار والصين، كان جيدا من ناحية توفير الأموال اللازمة لمواجهة الأزمة المالية، وهو أمر ساعد بدرجة كبيرة على زيادة الإنتاجية واستمرار التصدير في هذه الدول. ورغم ذلك فمن غير المعروف ما إذا كانت هذه الدول قد نجحت في مواجهة نسب البطالة المرتفعة، والسخط الاجتماعي الحادث نتيجة لذلك.

وفي هذا الإطار تبرز الصين بوصفها المرفأ الكوني الجديد، حيث أصبحت تشكل موقعا جيو ـ اقتصاديا جديدا ، تاركة المجال الجيو ـ سياسي لأميركا لبعض الوقت، وهو ما سوف يجعل الولايات المتحدة تابعة للصين من ناحية الحصول على المال والعمل وتوسيع دائرة الاستهلاك. ورغم ذلك فإن بعض الآراء المتفائلة ترى أن المسافة ما زالت شاسعة بين أميركا والصين، على الأقل في العقود القليلة القادمة، شريطة أن تجد أميركا حلولا في المناطق المتوترة التي تشتبك فيها مباشرة، مثل العراق وأفغانستان وباكستان والشرق الأوسط.

وإلى أن تستطيع أميركا تحقيق ذلك، فلن تقف الصين والهند مكتوفتي الأيدي، وهو ما سوف يفرض أعباء جديدة على أميركا قد تؤدي بها إلى المزيد من المواجهات الجديدة، وتؤكد على دخولها في مرحلة الضعف والانهيار.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com