إذا أردت أن تتعرف على مسقط العاصمة العمانية، لا بد أن تزورها من البر والجو والبحر، فلكل جانب سحره وجماله، ولا بد أن تختار ساعات من النهار أو الليل، فلكل وقت ميزته وجماله الأخاذ الذي يبهرك.

فمسقط التي تحتفل بذكرى التاسعة والثلاثين لاستقلال السلطنة عام 0791، تعيش عصرها الذهبي في حصاد ثمار التنمية الحضارية والنهضة والصحوة للشقيق العماني والشقيقة العمانية في كافة المجالات، من نهضة تعليمية وصحية وعمرانية وتنمية شاملة، أدت إلى بروز السلطنة في المحافل الدولية، مع ما يتوفر لديها عوامل تاريخية وسياحية وبيئية جذبت لها أنظار العالم، للتعرف على هذه الأرض الشاسعة ذات البنية الجغرافية النادرة في هذه البقعة من الوطن العربي، والتي تشهد اليوم بزوغ فجر جديد.

وتتميز كل ولاية في عُمان بخصائص طبيعية وحضارية، منها البحرية والجبلية والخضرة فضلا عن الآثار الضاربة في جذور الأرض والتاريخ، إلا أن مسقط لها ميزة خاصة تدفعك للوقوع في حبها من أول نظرة، فإذا كنت محلقا في السماء وعلى مقربة من الهبوط ليلا.

وبالرغم من المطبات الخفيفة التي تشعر بها وسط الجبال، إلا أن عينيك تزدادان شوقاً للرؤية وسط ما تخفيه الجبال، لتزداد انبهاراً مع حسن الاستقبال والابتسامة المضيافة وجمال الطبيعة وسط سكون الليل، وبعد خروجك من أرض المطار تزداد بهاءً في عينيك، وسط والأنوار المبهرة، وكلما ارتفعت بك المركبة تأخذك المدينة بسحرها المعهود.

هذه اللحظات الجميلة قد تزداد جمالاً إذا دخلتها من البحر قبيل وقت الغروب، حيث تشاهد أفول الشمس كلما اقتربت من شاطئ القرم، وتقف الكلمات حائرة وسط الحناجر لما يضفيه عليك هذا المنظر، وأنت ترى مسقط الشامخة وسط الجبال والطبيعة الخلابة، وتأخذ أنوارها تدريجياً في البروز..

في تلك اللحظة لا تضيع فرصة أن تأخذ جولة بحرية على شاطئ كورنيش مطرح، الذي يأخذك لمسقط القديمة التي تفوح منها رائحة اللبان العماني الملقب بـ «البان الظفاري»، والذي يستخرج من شجر اللبان وسط ولاية صلالة التي تقع في جنوب السلطنة على بحر العرب، وتبعد 1000 كيلو متر عن مسقط العاصمة.

وإذا أردت أن يأخذك الحنين إلى الماضي، تعرّف على منطقة الأفلاج القديمة في بوشر، التي يقال إنها بنيت منذ عهد النبي داوود عليه السلام بسواعد الإنس والجن، وتوارثتها الأجيال وتميزت بها السلطنة على مر الأزمان.

وسواء كانت رحلتك لها سياحية أو رحلة عمل أو أيا كانت، فلا بد أن تشعر بالضيافة والكرم العماني العربي المتأصل في الجذور، مع البساطة والتواضع والألفة والمحبة. مسقط بهجة الأنظار تسر الناظرين وتسحرهم، بطابعها العربي الإسلامي وأصالتها، مع عدم التكلف والحفاظ على الطابع الشرقي الذي أكسبها رونقاً مميزا نفتقده في كثير من المدن الأخرى هذه الأيام.

وهذا ما يدفعك للتجول بين أحضان العاصمة التي تتميز ببنية تحتية، أعطتها الطبيعة لمسة جمالية لا تشعرك بالملل مهما تجولت فيها، بل تزيدك رغبة في التعرف على أسرار الحفاظ على التاريخ والتراث الذي تشعر بعبقه كلما مررت بمعلم أو تقاطع أو حارة أو حي قديم، أو سوق مطرح الشعبي الذي يقصده آلاف الزوار للتبضع والتزود بالتذكارات العمانية، أو تذوق الحلوى العمانية التي تشعرك بأن تاريخ مسقط ما زال يعيش وسط جنبات أهل عمان.

وبالرغم من المدنية والتقدم، إلا أن هذا الثبات على الأصالة يعطيك تفاؤلاً ببقاء هذا التراث على مر الأزمان. إن المتتبع للتاريخ العماني وما قدمه من كفاح وصمود في وجه الغزاة، سواء البرتغاليين أو الفرنسيين أو الهولنديين أو الإنجليز، ومن تضحيات للتخلص من الغزاة والمستعمرين وللتوسع في نشر الدعوة الإسلامية والقيم العربية، من خلال الدول والحضارات التي بسطت عُمان حكمها عليها، لا بد أن يقف إجلالاً لهذا الصمود والشموخ وحب الوطن. والاحتفال بذكرى الاستقلال ما هو إلا تعبير عن الحب والولاء والانتماء والاعتزاز بهذا التاريخ.

والنظرة المستقبلية ذات الرؤية البعيدة تؤكد أن عُمان، مهد الحضارات، ماضية في نهضتها وتطورها، وأن مسقط ستظل عامرة ببريق نجمه لا ينطفئ.

ما زلت حتى الآن لم أعرف سر حبي لهذه العاصمة المبهرة، ولماذا أزداد شوقاً لها كلما سطرت حروفاً أعبر بها عن إعجابي بها، ولن أنسى كل لحظة أو ذكرى أو موقف مررت به، أعطاني المزيد من الشوق للعودة حتى أردد كلمة.. وضاعت لغة الحوار في مسقط.

إعلامية وكاتبة إماراتية

f_alsari@hotmail.com