على مدى 21 عاما منذ إعلان «الاستقلال»، والدولة الفلسطينية لا تزال دولة على الورق.. فلماذا؟

هناك سببان أساسيان: أولا، استمساك قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بنهج المفاوضات دون نتائج وعدم مقاومة الضغوط أو الخضوع لها دون مقابل يوازي حجمها.

ثانيا، المراهنة على الولايات المتحدة، استنادا إلى فرضية بلغت مستوى التقديس بأن واشنطن تملك 99% من أوراق الحل، وأنها تلعب دور وسيط نزيه ومحايد في الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

والسؤال الذي ينبغي أن يطرح الآن هو: هل من الإنصاف تحميل القيادة الحالية لمنظمة التحرير وحدها كل المسؤولية عن ما آل إليه حال الوضع الفلسطيني الآن، حيث صار تحقيق هدف إقامة دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة على أرض 67 أبعد من أي وقت مضى؟ أم الإنصاف يقتضي الأخذ في الاعتبار سلسلة الأخطاء المتراكمة منذ عام 1988، الموعد الذي أعلن فيه المجلس الوطني بيان «الاستقلال»؟

لقد جاء بيان إعلان «الاستقلال» عند ختام اجتماع للمجلس الوطني الفلسطيني عقد في الجزائر، فبعد جلسات من المناقشات والمجادلات الحادة، نهض الرئيس الراحل ياسر عرفات وتلا البيان الذي جاء فيه: «باسم الله وباسم الشعب العربي الفلسطيني، يعلن المجلس الوطني الفلسطيني تأسيس دولة فلسطين على أرضنا الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف».

ورغم المناقشات والمجادلات، جاء البيان متعجلا لأن صيغته انطوت على اعتراف ضمني بإسرائيل مقدما، يقوم على أساس قرار مجلس الأمن الدولي 242 لعام 1967 الذي ظلت منظمة التحرير ترفضه بإباء منذ ذلك الحين.

وكما ظهر لاحقا، كان الاعتراف بالقرار الدولي المتضمن الاعتراف بالدولة الإسرائيلية، تدشينا لمرحلة من التنازلات الخطيرة التي أفضت بالمنظمة إلى طريق «أوسلو».

يقول الكاتب الصحافي البريطاني المتخصص في الشؤون الفلسطينية في كتابه التوثيقي «ياسرعرفات والثورة الفلسطينية»، إن كافة المشاركين في اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني، كانوا يدركون أن الدولة المتواضعة التي أعلنوها لم تكن موجودة إلا على الورق.

ولنعد إلى الأذهان أن ذلك الإعلان صدر بعد عام واحد فقط من اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى أواخر عام 1987. وعوضا عن العمل على تأجيج الانتفاضة وتصعيدها وتوسيع نطاقها، فإن الرئيس عرفات أراد في ما يبدو، تعجل استثمارها سياسيا ودبلوماسيا.

بعد إعلان بيان الاستقلال، صار الهاجس الأكبر لعرفات هو كيفية استقطاب الاهتمام الأميركي.

ورغم أن الكثير من دول العالم، بما في ذلك دول أوروبية، بادرت إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية «المستقلة»، إلا أن أبوعمار كان يستشعر قلقا متعاظما تجاه سكوت الولايات المتحدة.

وأخيرا تكلمت واشنطن بلسان إسرائيل، بما يفيد أن الاعتراف الفلسطيني الضمني بإسرائيل لا يكفي. فعلى الرئيس الفلسطيني أن يعلن اعترافا مباشرا وصريحا بإسرائيل، أولا.. وأن يعلن في الوقت نفسه نبذ أسلوب «الإرهاب»، أي نهج الكفاح المسلح، وكأنما كان المطلوب من الزعيم الفلسطيني إعلان «توبة».

واعتلى أبو عمار منبر الأمم المتحدة في نيويورك، فألقى خطابا تضمن الاعتراف بإسرائيل ونبذ «الإرهاب»، لكن بصيغة غير مباشرة.. مما لم يرض الإدارة الأميركية التي كان عرفات يسعى سعيا حثيثا للدخول في حوار سياسي معها.

وأخيراً استجاب عرفات للطلب الأميركي، فألقى بيانا في مؤتمر صحافي عالمي أعلن فيه قبوله «حق كافة الأطراف (بما فيها إسرائيل) في صراع الشرق الأوسط، في أن تعيش في سلام وأمن». وأضاف: «أكرر القول إننا نرفض كافة أشكال الإرهاب».

ورغم أن الولايات المتحدة قبلت هذه الصيغة ووافقت على إجراء حوار ثنائي مع منظمة التحرير، إلا أن المُحاور الأميركي كان يتكلم في سياق جلسات الحوار وكأنه الناطق الرسمي باسم إسرائيل. وهكذا مضى الرئيس عرفات من خطوة إلى أخرى، إلى أن عقد اجتماعا مع قادة المنظمات اليهودية الأميركية بوساطة من حكومة السويد. وكان ذلك الاجتماع الخطوة الأولى نحو مفاوضات أوسلو بين المنظمة وإسرائيل مباشرة. وعلى مدى 16 عاما من توقيع اتفاق أوسلو وحتى الآن، تتراكم الخطوات على ذات النهج.

حتى قبل أوسلو أسدى خالد الحسن قطب «فتح» الراحل، نصيحة للرئيس عرفات قائلا: «كلما تعطي يقل احترام الغرب لك. فالغرب لا يحترم الأمانة وإنما يحترم القوة. إن من الخطأ التكتيكي أن تواصل تقديم تنازلات باستمرار. لقد تنازلنا بما فيه الكفاية. إنهم لن يحترموك حتى لو خلعت ملابسك!».

وللتأكد من مصداقية خالد الحسن، لا يحتاج المرء إلى أكثر من تمعن الصورة الماثلة؛ فبعد 21 عاما من إعلان الاستقلال، أصبحت قبضة الاحتلال الإسرائيلي أقوى مما كانت.

كاتب صحافي سوداني

opinion@albayan.ae