لم يتخذ الرئيس الأميركي باراك أوباما قرارا حول ما الذي سنفعله في أفغانستان، ولكن إذا كان فيض التسريبات التي انطلقت مؤخرا يشكل مؤشرا، فإنه على الأقل قد قرر ما الذي لن يفعله. فهو لن يكون مندفعا في اتخاذ القرار البالغ الأهمية.

ويبدو أن الرئيس أوباما ليس مستعدا لأخذ الكلام على عواهنه من أي من اللاعبين على الساحة، وبصفة خاصة من الجنرال ستانلي ماكريستال قائد القوات الأميركية في أفغانستان، الذي يريد حشد ما يتراوح بين 45 ألفا إلى 60 ألف جندي أميركي جديد في أفغانستان.. وليس من مستشاريه لشؤون الأمن القومي الذين طرحوا خيارات متعددة.

وقد تسرب من البيت الأبيض أنه ما من بديل من البدائل المختلفة المطروحة، يتضمن ما يرغب الرئيس الأميركي في رؤيته، وهو تقدير محدد لعدد السنين الإضافية التي سيتم الاحتياج إليها، بعد السنوات الثماني التي تم استثمارها في أفغانستان بالفعل، واستراتيجية الخروج منها. وهناك سؤال في غاية الأهمية، وهو: كم من الوقت سنقضيه في أفغانستان.. وكيف سنخرج من هناك عندما يحين الوقت للقيام بذلك؟

دعنا نسمي الإجابة على هذا التساؤل بالتخطيط العسكري رقم 101. ومثل الرئيس الأميركي، فإننا نجد أنفسنا غارقين في التفكير والتساؤل.. لماذا لم تتخذ من قبل هذه الخطوة الأولى الأساسية في إلزام أمة ومؤسستها العسكرية وخزانتها بحرب، وغابت عنها كل البدائل المطروحة عند المنعطف المهم قبل ثماني سنوات؟

لقد كانت استراتيجية الرئيس الأميركي السابق بسيطة، وهي متابعة الانطلاق في المسار. إن ما أراده الجنرال ماكريستال وقادته في البنتاغون، هو شيك على بياض بالنسبة لأفغانستان. أرادوا التزاما مفتوحا، من حيث عدد سنوات البقاء هناك وعدد القوات والمال.

إن الطلب الذي طرحه العسكريون على المائدة، إذا تم إقراره كما كانوا يأملون، فسيرتفع عدد الجنود الأميركيين في أفغانستان من العدد الحالي وهو 70 ألف جندي، إلى ما يزيد على المئة ألف. وتعلمنا التجربة أن العسكريين سيعودون ليطلبوا مجددا في الربيع أو الصيف المقبلين 55 ألفا أو 75 ألف جندي إضافي، ثم يعودون مجددا في الخريف لطلبات أخرى. متى كانت آخر مرة سمعت فيها بقائد عسكري يطلب أعدادا أقل من الجنود ومبالغ أقل من المال؟

إن الرئيس الأميركي يستحق التصفيق لعدم تركه الجنرالات يدفعونه إلى قرار سريع وحاسم وخاطئ تماما، بإعطائهم ما يريدون.

إنني أفترض أن خطط حرب أفغانستان البديلة الأربع، التي تم وضعها في مؤتمرات داخلية استمرت أربعة أشهر من قبل الخبراء التابعين للرئيس الأميركي، كانت جميعها بشكل أو بآخر أنصاف حلول سياسية، حيث تباعد ما بين الأسنان لالتهام شرائح مختلفة من السمكة، وتشتري الوقت بإعطاء الجنرال ماكريستال نصف أو ثلث الرغيف.

وفي وسط هذا كله.. يبرز السفير الأميركي لدى كابول، الجنرال المتقاعد كارل ايكنبري، الذي كان هو نفسه قائدا سابقا في أفغانستان، لينصح الرئيس الأميركي بألا يرسل جنديا واحدا إلا بعد التخلص من الفساد في حكومة الرئيس حامد قرضاي.

صدمة ورعب. فهذا الجنرال يشير إلى أن قرضاي ومساعديه ينبغي أن يتوقفوا عن اقتناص ملايين الدولارات من المساعدة المالية المتدفقة، التي قصد منها مساعدة الشعب الأفغاني الغارق في المعاناة، وتطهير صفوف المسؤولين الأفغان من مهربي المخدرات، وأن يتصرف جيشهم وشرطتهم بطريقة أفضل من تلك التي تتصرف بها قطعان الضباع التي تنهب من القرويين نهارا وتختبئ من رجال طالبان ليلا.

الآن.. ها نحن نتبين معالم الطريق. فالرئيس أوباما يرغب في معرفة إلى أي مدى زمني وكم من الجنود وكيف سنخرج من أفغانستان؟ والسفير الأميركي لدى كابول يرغب في أن يصبح حليفنا، أي الحكومة التي نرسل إليها القوات الأميركية لتموت في غمار الدفاع عنها، شيئا يتجاوز الأربعين حرامي.. شيئا جديرا بالدفاع عنه.

لم تطرح سلسلة من الرؤساء الأميركيين هذه الأسئلة، ولم تطالب قط بالنزاهة والخدمة الأمينة من جانب الدكتاتوريين في فيتنام الجنوبية.. والنتائج المترتبة على ذلك مسجلة في التاريخ الأميركي، وهي مصرع 58260 جنديا وإصابة 300 ألف جندي أميركي، وإرسال ثلاثة ملايين أميركي إلى الخدمة العسكرية، وصب مليارات الدولارات في حفرة بلا قاع.

هكذا يتعين على الرئيس أوباما أن يكبح جماح جنرالاته، وأن يمعن التفكير قبل أن يستثمر ولو حياة إضافية واحدة أو دولارا، للدفاع عن حكومة فاسدة تماما، وعن شعب ينظر إلينا بصورة متزايدة على أننا تهديد أكبر وعدو أكثر خطورة من رجال طالبان.

على الرئيس الأميركي أن يأخذ كل الوقت الذي يحتاجه، وأن يمضي في المسار الراهن إلى أن يتلقى إجابات عن الأسئلة الآنف طرحها.. وإلى أن يبدأ قرضاي في ملء سجونه بالوزراء وقادة الحرب الفاسدين، حتى وإن كانوا مقربين منه.. فقد آن الأوان لذلك.

صحافي أميركي متخصص في الشؤون الاستراتيجية

Writersalbayan.ae