تكاد الدنيا تقوم ولا تقعد، لمجرد أن تحدثت السلطة الفلسطينية عن خيار إعلان الدولة؛ من جانب واحد. أصوات الممانعة، المغلفة بدبلوماسية «من السابق لأوانه»، لعلعت من كل صوب. وبالتحديد في الردود الدبلوماسية والرسمية، الأوروبية والأميركية. ناهيك بهدير التهديدات والتحذيرات الإسرائيلية، من عواقب الإقدام على مثل هذه الخطوة. وكأن الطرف الفلسطيني على وشك ارتكاب جريمة العصر. أو أنه ينوي التطاول وانتهاك المحرمات.

الرسالة الضمنية، هي أن مثل هذا الإعلان، امتياز خاص بإسرائيل ولا يجوز لغيرها، خاصة للفلسطينيين، أن يأتي على ذكره، كخيار محتمل. ولو على سبيل جسّ النبض واستطلاع الإمكانية.

الذين انزعجوا وضاقت صدورهم بهذا الطرح، تذرعوا بحجج واهية. زعموا أن الدولة الفلسطينية لم تنضج طبختها بعد. كما لو أن قيام دولة فلسطينية، يحتاج إلى دهر. أو أن طبختها، تلزمها مدة مفتوحة على زمن إسرائيلي، لا نهاية له إلا اللانهاية ! وزعموا أيضاً، أن ولادة الدولة الفلسطينية لا تتم إلاّ بالتراضي؛ نتيجة مفاوضات بين الفلسطينيين وإسرائيل. كما لو أن الطرفين لم يسبق أن حصل تفاوض بينهما. أو كأن فترة أكثر من عقد ونصف من التفاوض، كانت فقط للتعارف. لم تكن كافية لمفاوضات هادفة ومثمرة ! لماذا لم يقدم المعترضون جدول زمني لإقامة الدولة؟

الأوروبيون سارعوا إلى إبداء التحفظ، الذي انطوى على رفض مبطّن؛ حجبته دعوة للتروي ونصيحة بعدم الاستعجال. وزير خارجية السويد، الذي تتولّى بلاده الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي لهذا الشهر، يزعم أن « هذه الدولة يجب أن تتواجد أولاً»، قبل الاعتراف بها. لذا فإن «الحديث عنها مبكر بعض الشيء».

الممثل الأعلى للسياسة الخارجية للإتحاد الأوروبي، خافيير سولانا، رأى، هو الآخر؛ أنه « من المبكر جدّاً مناقشة هذا الأمر». المفوضة الأوروبية للشؤون الخارجية، بينيتا فيريرو فالدنر، اغتنمت الفرصة هذه المرة، وهي لا تصرّح إلاّ نادراً، لتقول بأنه «من السابق لأوانه قول أي شيء في هذا الموضوع».

وطبعاً واشنطن كعادتها في مثل هذه الحالات، سارعت إلى رفض «إعلان أحادي الجانب لقيام دولة فلسطينية»؛ على اعتبار أن «هذه الدولة يجب أن تنشأ من خلال التفاوض بين إسرائيل والفلسطينيين».

جوقة متكاملة متناغمة، تعزف على إيقاع الألحان الإسرائيلية. كان من الممكن فهم هذه التسويغات الرافضة، لو لم يكن هناك تفاوض. أو لو كانت المفاوضات في بداياتها. لكن أن تتوالى مثل هذه الردود المتهافتة على فكرة الإعلان، بعد كل تلك الرحلة التفاوضية الشاقة التي حوّلتها إسرائيل إلى ممارسة عبثية لحرق الوقت؛ فإن ذلك ليس أكثر من ثرثرة خبيثة وسخيفة.