منتصف الثمانينات من القرن الماضي، كان البداية لما سيطبع السنوات التي ستليها من صراعات في الدول والمجتمعات العربية. ففي ذلك الوقت وصلت الحرب بين حكومة الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة في تونس والجماعات الإسلامية ذروتها، فيما كانت مصر تشهد فصولا ستمتد طويلا من المواجهات بين السلطات والجماعات الإسلامية حتى أواخر التسعينات.

ستطرح تلك المواجهات جملة من الأسئلة حول الدوافع التي تقف وراء عنف الأصوليين الإسلاميين في أكثر من بلد، وسيشير الكثيرون في البداية إلى فشل إيديولوجيا اليسار والأفكار القومية التي سادت المجتمعات العربية منذ مطلع القرن العشرين. لكن سرعان ما سيتم الالتفات عن هذا السبب، لأن الايديولوجيا أو الأديان مهما كانت جذابة، لن تكون العامل الوحيد الذي يدفع الناس إلى التمرد.

لكن ثمة أمرا واحدا علينا التوقف عنده مليا: كل الصراعات التي تشهدها الدول والمجتمعات العربية، غدت صراعات بين أصوليات دينية ونخب حاكمة تستمد سيطرتها من الجيش أو بعض الأنظمة الأمنية.

لسوف تصطبغ كل الصراعات فيما بعد في بلدان عربية أخرى بالطابع نفسه، أو أنها ستشكل عنصرا جديدا في صراع ظل لفترة طويلة صراعا غير ديني.

إن الفارق هنا يضيق في بلداننا العربية بين الأنظمة الملكية والجمهورية، فإذا كانت الملكيات وراثية بشكل طبيعي، فإن الأنظمة الجمهورية أصبحت شبيهة بها، سواء بالالتفاف على الدساتير والتحايل عليها وتطويعها، ناهيك عن التوريث.

هنا بالضبط، تتضح أولى أسباب المعضلة التي تلف بلداننا العربية، فالأفق السياسي مسدود على الدوام. إن الاستقراء الدقيق لأوضاع البلدان التي تشهد (أو شهدت لفترة ما) صداما بين أصوليات دينية وحكومات، ستقودنا إلى جملة من القواسم المشتركة، لعل أولها هو انعدام الأفق السياسي في هذه البلدان.

إن هذه الرغبة المستميتة في التشبث بالحكم، وهي أول مظاهر الخلل، لا بد أن يصحبها بحث محموم عن أسباب القوة. هكذا، وعدا السيطرة على الجيش وأجهزة الأمن، يلجأ معظم النخب الحاكمة إلى السيطرة على الثروات.

سلسلة طويلة من خطوات إحكام السيطرة التي تبدأ بتكوين طبقة حاكمة قوامها إما تحالفات قبلية قائمة على الاستنفاع (بوابة الفساد)، أو طبقة عريضة من المنتفعين (تعميم الفساد وترسيخه) من كل المستويات، ويتم تطويع القوانين وتشريع بعضها لإحكام هذه السيطرة.

غني عن القول ان السيطرة على الثروة وانتفاء العدالة في توزيعها، سيكون السبب الأول لكل أشكال الفقر وانعدام المساواة، واتساع الهوة بشكل فاحش بين الطبقات في تلك البلدان.

فأمام مظاهر الثراء الفاحش وازدهار العواصم وبعض المدن الرئيسية، ستجد الفوارق تصل إلى حد التناقض مع بقية أنحاء البلد الواحد. لا يقتصر هذا على بلد بعينه، بل هو ظاهرة تشترك فيها عدة بلدان لأن المسببات واحدة، فطريقة تفكير معظم النخب العربية الحاكمة ومفهومها للحكم وغاياته متشابهة.

منذ متى تم تشخيص هذه المظاهر؟ منذ أمد طويل، وعليه فإن مشكلات هيمنة نخبة حاكمة وانسداد الأفق السياسي أمام الناس، وانعدام المشاركة في السلطة والتوزيع غير العادل للثروة (بكل ظواهره الملازمة من الفقر وتدني مستويات المعيشة)، واستنفاع النخب وشراء الذمم والولاءات، ظواهر قائمة منذ عقود طويلة في كثير من البلدان العربية.

في السنوات الأخيرة، باتت السلطة مفتاحا لمراكمة الثروات عبر كل أشكال الاستفادة من الاستثمارات الخارجية أو الداخلية، فيما تفتح الخصخصة شهية الاستحواذ والتملك ومزاحمة المستثمرين ومشاركتهم قسرا في المشروعات.

لقد كانت تلك العوامل هي نفسها التي دفعت آخرين إلى التمرد منذ مطلع القرن العشرين، في ظل المحتل الأجنبي أو الحكومات الوطنية بعد الاستقلال، بدءاً من الحركات القومية إلى اليسار، وها قد جاء الأصوليون الإسلاميون اليوم ليطبعوا الصراع بطابع ديني، لكن الدوافع هي نفسها لم تتغير.

يبدو الأمر مضللا عندما يعول الكثيرون على تفسير مريح للذهن، هو أن الأيديولوجيا أو الدين يمكن أن يكون دافعا وحيدا، لهذا يتم تضخيم المخاطر التي تمثلها الأصوليات وربطها على الدوام بعامل خارجي يمثل بعدا قاهرا. حتى لو صح هذا في حدود معينة، فإن تأثير العوامل الخارجية من صراعات أو طموحات إقليمية، لن يحجب الدوافع الرئيسية الفاعلة لأي تمرد أو صراع داخلي في أي مجتمع.

فتأثير الايديولوجيا أو العوامل الخارجية، لن يكون فعالا مع مواطنين يتمتعون بعيش حسن ورعاية صحية واجتماعية وتعليم وبالمشاركة السياسية الفاعلة، ويملكون قدرا من اليقين بالنسبة لمستقبلهم ومستقبل أبنائهم.

قيل هذا الكلام منذ أمد بعيد، وما زلنا نشعر بالحاجة لتكراره لأن شيئا لم يتغير، هكذا وبعد أن كان الصراع يتسم ببعد سياسي وطبقي أحيانا فيما مضى، بات اليوم صراعا دينيا ومذهبيا بامتياز.

لكن ستبقى لدى النخب الحاكمة جاذبية لا تزال ذات مفعول. فالناس ما زالوا يفضلون هذه النخب (رغم كل سجلها المخفق) على الأصوليات، ولعل هذا ما تدركه النخب الحاكمة جيدا فتستغله ماكينات دعايتها إلى أبعد الحدود. لكن من الواضح، أن تلك النخب لا تستوعب الدروس دائما.

فهي إن نجحت في معركة هنا أو هناك مع أصولياتها في مرحلة ما، تعود لسابق عهدها في كبح النمو الطبيعي والسلمي عبر وقوفها الدائم أمام كل تحركات الإصلاح السلمية، لتعيد صنع صراع جديد. وهكذا، فالقضاء على أي بارقة أمل في إصلاح حقيقي، لن يقود الناس إلا إلى التمرد من جديد.

كاتب وصحافي بحريني

mfadhel@batelco.com.bh