رغم تكرار أحداث الشغب في ضواحي باريس، ورغم وقوع بعض الاعتداءات الفرنسية على أبناء المهاجرين من حين لآخر، فإن فرنسا الرسمية ما زالت تبحث عن هويتها الوطنية وماهية مكوناتها، في عصر العولمة وتدفق المهاجرين على أراضيها. فرنسا الرسمية لم تحدد بعد معالم واضحة للتعامل مع مشكلة إدماج الجاليات الموجودة لديها، خاصة وأن الشباب الذين يتظاهرون من حين لآخر، هم أبناء فرنسا التي وُلدوا فيها، والبعض منهم يمثل الجيل الثاني أو الثالث لمهاجرين شيدوا أمجاد فرنسا.
هناك الآن جدل كبير في الأوساط السياسية الفرنسية وأوساط صناع القرار. فاليمين يطالب بالهجرة المختارة والاستبعاد المنظم لمعظم الأشخاص الذين لا يتوفرون على وثائق شرعية، بينما يرى اليسار أنه بإمكان فرنسا الاستفادة من الهجرة. وبين هذا وذاك يدرك الملاحظ أن فرنسا لا تؤمن بالشعارات وببعض المبادئ التي قامت عليها، حيث إن هناك فجوة كبيرة جدا بين شعار المساواة والعدالة وواقع التمييز الذي تعاني منه الجاليات في فرنسا.
يعيش في فرنسا اليوم أكثر من خمسة ملايين مسلم، وأكثر من أربعة ملايين من السود، وما يزيد على خمسة ملايين عربي. لكن هذا التنوع لا يعني الكثير لفرنسا الرسمية، التي تنظر لهذه الجاليات والأقليات بعين الازدراء والاحتقار والتهميش والتمييز.
فرئيس الحزب اليميني جان ماري لوبان، يرى أن هذه الجاليات تشكل خطراً على فرنسا، وهي سبب الأمراض الاجتماعية والبطالة والجرائم وانتشار المخدرات، وحتى عندما سئل عن رأيه في المنتخب الفرنسي المشارك في نهائيات كأس العالم، أجاب بأن هذا الفريق لا يمثل فرنسا ولا علاقة له بها، لأن أغلبية لاعبيه من السود وأبناء المهاجرين.
لوبان يتجاهل أن أبناء المهاجرين هم الذين صنعوا أمجاد الفريق الفرنسي لكرة القدم سنة 1998، عندما فازت فرنسا لأول مرة في تاريخها بكأس العالم، ونفس التجربة كررها زيدان وزملاؤه السود (هنري، فييرا، ماكاليلي، تورام، مالودا، ساها، جالاس، أميدال، شيمبوندا، سيسي، ويلتورد، جوفو، دوراسو وديارا) في ألمانيا في كأس العالم الأخيرة. فواقع فرنسا يقول إن هذا البلد بلد ملون ومتعدد الأعراق والأقليات والثقافات والديانات، لكن فرنسا الجمهورية الرسمية لا تؤمن بهذا الواقع، وما زالت تعيش على عنجهيتها وتعصبها، ومازالت تبحث عن ماهية ومكونات هويتها.
على عكس العديد من الدول المتطورة والتي تعيش فيها شعوب من مختلف الأجناس والأعراق والديانات (الولايات المتحدة الأميركية، بريطانيا، أستراليا، نيوزيلاندا، كندا، معظم دول أميركا اللاتينية... الخ)، فشلت فرنسا منذ أكثر من خمسة عقود في إدماج وصهر هذه الجاليات والأقليات في الجمهورية الفرنسية، وما زالت تتخبط في أيديولوجية الإقصاء والتهميش وعدم الاعتراف بالأخر، مهما كانت الظروف والاعتبارات.
فالوثائق الرسمية تعترف بفرنسية ملايين المهاجرين من عرب وأفارقة ومسلمين، لكن الممارسات الفعلية تعتبر هذه الفئة غير فرنسية مائه في المائة وتبقى من الدرجة الثانية أو الثالثة.
والأخطر في هذه القضية، هو النخبة المثقفة الفرنسية وبعض المفكرين الفرنسيين الذين يصرون على التفوق العرقي والثقافي الفرنسي، ما عدا قلة قليلة تحاول تصحيح الصور النمطية والأحكام المسبقة، لكن من دون جدوى.
فرنسا الجمهورية يجب أن تعترف بالأمر الواقع، ويجب أن تعيش على غرار الشعوب المتطورة والمتحضرة التي تقبل بالثقافات والديانات والأعراق الأخرى.
يجب أن تعترف بالمهاجرين والأقليات ودورهم في تطور وتقدم المجتمع الفرنسي، من خلال إدماجهم في مختلف مجالات الحياة، كما دمجتهم في المنتخب الوطني لكرة القدم الذي رفع رايتها واسمها عالياً في أنحاء العالم.
الأمر يتطلب التوقف عن الخديعة وتطبيق مبادئ الجمهورية على أرض الواقع، لأنه إذا استمر الوضع على هذه الحال فإنه سيؤدي إلى المزيد من أعمال الشغب والمظاهرات والمزيد من التصدع والتشرذم. فالتنوع والاختلاف يجب أن يكونا نقطة قوة وحافزا للإبداع والتميز والنجاح، وليس الإقصاء والتهميش والصراع.
الأجدر بفرنسا هذه الأيام أن تقيّم فشل برامجها الاجتماعية، وتلك التي وضعتها من أجل إدماج الشباب المهمش في الضواحي.. لماذا الفشل؟ وما هي أنجع السبل لنجدة شباب المهاجرين من الغرق في براثين المخدرات والجريمة والانحراف؟ فالإشكال المطروح يتمثل أساسا في قبول الآخر واحترام الثقافات والديانات الأخرى، في فضاء يتسم بالتسامح ويقوم على القيم الإنسانية السمحاء.
عميد كلية الاتصال، جامعة الشارقة