من دبي تعلمنا أن مصداقية المرء في إقران الكلام بالفعل. ما أسهل أن نطلق الوعود على عواهنها، وما أسهل الكلام في زمن كثر فيه الكلام وقل العمل. كنت، وما زلت، من أكثر من يلح على ضرورة أن يتحدث المسؤول في دبي مع الإعلام العربي والدولي، عن اقتصاد دبي وتبعات الأزمة المالية العالمية على حراكها. والحديث المقصود هنا، ليس من باب «الدعاية» التي لا تدعمها حقائق على الأرض، ولكنه ذلك الحديث المسؤول لشرح الواقع وللرد على الأسئلة المهمة وحتى المزعجة.

إننا اليوم، خاصة في هذا الفضاء الواسع من وسائل الاتصال والتواصل، معنيون بتقديم المعلومة الحقيقية والدقيقة، لقطع الطريق على الإشاعة ومروجي الأكاذيب من حولنا، وهذا لن يتحقق إلا بحضور إعلامي مهني، وبتواصل حيوي ومستمر وسريع، بين المسؤول والإعلام.

وهكذا حق لنا أن نحتفي بالخطاب المهم الذي ألقاه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، في افتتاح أعمال المؤتمر الثاني للشركات الاستثمارية والمستثمرين العالميين، الذي نظمه بنك ميرل لينش الأميركي في دبي يوم الاثنين الماضي (9/11/2009)، إذ وضع نقاطاً مهمة على حروف مهمة تتناول الشأن الاقتصادي في إمارة دبي، ورد بحزم ووضوح على «اللغط» الإعلامي الأحمق، حول علاقات دبي وأبوظبي. بل كان لافتاً، لمن يقرأ السطور وما بين السطور، أن يشدد حاكم دبي في خطابه المهم على العلاقة التاريخية الوثيقة بين دبي وأبوظبي، وبين حكام أبوظبي وحكام دبي، وباللغة الإنجليزية تحديداً.

فمصدر الجهل بتلك العلاقات وبتاريخ الإمارات ـ في غالبه ـ من منبع واحد أساساً: صحافة ناطقة باللغة الإنجليزية في أوروبا وغيرها، لا تزال تنظر للمنطقة كلها كما لو أنها

مازالت تعيش صراعات ما قبل التحديث!

ومع أنني مازلت مصراً على أن قلة المسؤولين في دبي الذين يتحدثون بلغة مباشرة عن دبي، ويجيبون من دون تحفظ أو تردد على الأسئلة المتعلقة باقتصاد دبي، تبقى مشكلة تجب معالجتها، إلا أن توقيت كلمة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد كان في غاية الأهمية. إنها حقاً تدعم توجهه في ربط القول بالفعل.

تكلم الشيخ بلغة الواثق من تجاوز بلده كثيرا من تبعات الأزمة المالية، مدعوماً بمنجز متحقق على الأرض (المترو وبرج دبي) وبثقة القائد العارف بأهمية دبي ـ بموقعها الجغرافي المميز ـ للمنطقة والعالم. والبنية التحتية الجاهزة اليوم في دبي هي ضمن عوامل ـ حقائق رئيسية، ستؤهل دبي لانطلاقة جديدة قادمة ستبهر العالم، كما هي عادة دبي منذ ثلاثة عقود.

ومن غير مجاملة، فقد عكست كلمة حاكم دبي وعياً بتبعات الأزمة التي لن توقف مسيرة التنمية أو التوجه نحو تحقيق بنود تلك الرؤية التنموية الضخمة لحاكم دبي. قال الشيخ محمد: «إن الأزمة العالمية، على الرغم من تأثيراتها الوقتية، لن تثني دبي عن طموحها التنموي، ولن تزيحها عن موقعها الريادي، ولن تبعدها عن دورها الفاعل في ساحة الاقتصاد العالمي، ولن تفت من عزم أبنائها وتصميمهم على مواصلة مسيرة التطوير».

هذه الكلمات التي تعكس تصميماً واضحاً لدى باني نهضة دبي الحديثة، تتكئ على حقائق تنموية ومنجزات وطنية عملاقة، تشكل الرافد الاقتصادي الأساس لدبي، مثل ميناء جبل علي، وطيران الإمارات، وبنية تحتية كبيرة للسياحة والإدارة الحديثة.

يسألني قبل يومين صديق في نيويورك: لماذا قررت الإقامة في دبي؟ وأجيب بأن دبي اليوم بالنسبة لي ـ وللآلاف من أبناء جيلي من الشباب العربي ـ أصبحت موطناً، ليس فقط لنمط حياة عصري وحضاري، ولكن ـ فوق ذلك ـ هي الآن موطن للإبداع والأفكار الخلاقة. ثم شرعت أعد له عشرات من الفعاليات الصغرى والكبرى المقامة في دبي، من مؤتمرات فكرية وإدارية ومعارض وأنشطة لا يتسع الوقت لملاحقتها.

هكذا هي المدن والبلدان الحية؛ تبقيك محتاراً في وقتك، كيف ترتب أولوياتك وكيف تغطي أكبر عدد من الأنشطة والفعاليات! لا وقت في دبي لغير العمل والإنجاز والمعرفة. وثمة ألف قصة نجاح في دبي، لشباب من دبي وآخرين من خارجها وجدوا فيها ملاذا آمناً للإبداع والنجاح وتحقيق الطموح.

أصداء خطاب حاكم دبي، في المنطقة وخارجها، دليل جديد على أهمية الحديث المباشر عن اقتصاد دبي، وعن تبعات الأزمة العالمية على حراك دبي عموماً. وتزداد أهمية الحديث عندما يكون المتحدث قائدا كريما نبيلا جريئاً، أصبح اليوم ملهماً، ليس فقط لشباب وطنه، ولكن أيضاً لشباب أمته ممن أنهكهم اليأس، والانتظار الطويل لبارقة أمل.

وهنا أكرر مقولة لطاغور حينما سئل: أين يسكن المستحيل؟ قال: في عقل العاجز.

أشهد أن المستحيل لا يسكن أرضاً يسكنها محمد بن راشد آل مكتوم!

كاتب ومستشار إعلامي

hattlan@post.harvard.edu