يرى بعض مواقع القرار في الإدارة الأميركية، أن إعادة تنشيط وإحياء المسار التفاوضي السوري الإسرائيلي، من شأنه تحقيق نقلة إضافية «لإبعاد سوريا عن تحالفاتها التقليدية في الساحتين الفلسطينية واللبنانية، إضافة لتفكيك علاقاتها مع طهران وإبعاد سوريا عن أحضان إيران، وضمان الأمن على الحدود السورية العراقية».
ومن هذا المنطلق، كانت علائم محاولة أميركية جديدة لإعادة تنشيط وإحياء المسار التفاوضي السوري الإسرائيلي، قد ارتسمت قبل فترة قصيرة من خلال محاولات الإدارة الأميركية «جس نبض» إمكانية دفع مفاوضات التسوية على المسار السوري الإسرائيلي. لذلك كانت واشنطن قد استدارت بشكل ملحوظ (ولو قليلاً) في علاقاتها مع دمشق مؤخراً، وباتت تتبنى منطق الحوار معها وحتى مع إيران، وأرسلت قبل أسبوعين (كما تشير مصادر موثوقة) موفداً إلى إسرائيل يحمل مقترحات جديدة بشأن تسوية النقاط الشائكة المتعلقة بمسار التسوية مع سوريا.
حيث أتم المبعوث فريدريك هوف، موفد المبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط جورج ميتشل، في مباحثاته منتصف أغسطس 2009 مع الجانب الإسرائيلي، للتفتيش عن إمكانية الدفع نحو إطلاق مفاوضات التسوية على هذا المسار، وقد سربت معلومات هامة متعلقة بتفاصيل خطة هوف بشأن المفاوضات بين سوريا وإسرائيل، والتي قيل بأن المبعوث الأميركي جورج ميتشل تبناها بالكامل.
والخطة تقترح أن يتم تنفيذ عملية التسوية بين إسرائيل وسوريا على مرحلتين، وأن يبني الجانبان في المرحلة الأولى الثقة بينهما، من خلال استخدام مشترك للمنتزهات والمحميات الطبيعية ومصادر المياه في الجولان (!)، وبشكل يتيح للدولة العبرية الوصول إلى الحدود الشرقية لبحيرة طبرية، مثلما طالب الجنرال إيهود باراك عندما كان رئيساً للوزراء.
فيما تقضي المرحلة الثانية بانسحاب إسرائيل إلى الخط الحدودي الذي يقترحه الدبلوماسي الأميركي (تقول المعلومات بأن الخط المقترح لا يتطابق مع خط الرابع من حزيران 1967)، وهو ما سبق ورفضته سوريا مراراً، خصوصاً في المفاوضات التي توقفت عام 2000 في شبيرزداون. وبالتالي فإنه لا جديد يحمله المبعوث هوف، سوى تكراره للمكرر من المشاريع التي سبق تناولها، وأدت إلى انتكاس العملية التفاوضية.
وفي هذا الإطار، تنشط المصادر الإسرائيلية المعنية بالقضايا الأمنية، لتقديم معلومات مشوشة أحياناً، ومغلوطة في آن واحد، بالنسبة للمفاوضات مع سوريا وإمكانية انطلاقها من جديد، كما تعمل على إثارة مناخات من الالتباس، تجعل من الصعب إعطاء التقديرات الصحيحة لمدى ومستوى النضج الإسرائيلي لقبول السلام الشامل والحقيقي، استناداً لقرارات الشرعية الدولية ولمبدأ الانسحاب الشامل والتام.
ومن بين الضباب والتعتيم، نقرأ مؤخراً تقديرات متضاربة لشعبة المخابرات العسكرية الإسرائيلية المسماة «أمان»، تؤكد أن احتمالات التوصل إلى اتفاق سلام بين سوريا وإسرائيل ما زالت ضئيلة جداً، وأن سوريا «تلعب بورقة التلويح بقبولها برفع مستوى المفاوضات التي توقفت عبر القناة التركية ونقلها لمفاوضات مباشرة، لأسباب تتعلق بملفات تعمل سوريا على حلحلتها، ولتحقيق جملة من الأغراض دفعة واحدة، وعلى رأس تلك الأغراض حوارها مع الإدارة الأميركية وتخفيف الضغوط المفروضة عليها»..
ومع ذلك، وعلى الرغم من هذه التقديرات المتشائمة، فإن قيادة الجيش الإسرائيلي، وفي مقدمها رئيس أركانه غابي أشكنازي، تؤيد بصورة مطلقة إجراء مفاوضات مع سوريا، لأن من شأنها أن تخفف التوتر عند الحدود بين الجانبين وبين إسرائيل ولبنان، كما يشير غابي أشكنازي إلى أن مجرد إجراء اتصالات مع سوريا سيعود على إسرائيل بفائدة أكبر، حيث وسيقلل التوتر على الجبهة الشمالية.
من جانبها فإن مصادر سياسية إسرائيلية ترى أن الآفاق مفتوحة للتوصل لإعادة إحياء المفاوضات السورية الإسرائيلية، مستندة في موقفها ورؤيتها إلى عوامل عديدة، بينها ما تقوله من أن «الصراع الإسرائيلي السوري هو صراع إقليمي فحسب، وأن المطلب السوري ينحصر في استعادة هضبة الجولان؟»، كما ترى أن «نظام الحكم المركزي في سوريا قوي ومستقر، ما يجعل قدرته على الالتزام باتفاقات كبيرة جداً».
وتنحو المقاربة السياسية للحكومة الإسرائيلية الحالية لموضوع المفاوضات، إلى تبني نظرية الحلول المرحلية بدلاً من الحل النهائي. فقد ظهرت أصوات من داخل الأوساط المقربة من نتنياهو تدعو إلى البحث عن حل مرحلي مع سوريا، تنسحب بموجبه إسرائيل من جزء من هضبة الجولان، مقابل ما يسميه الباحث في معهد دراسات الأمن القومي شلومو بروم «اتفاق وقف للقتال»!
أما المعسكر الإسرائيلي الرافض للسلام مع سوريا، فيرى أن اتفاقاً للسلام الشامل معها يعني التنازل عن الجولان، أي المنطقة التي يعتبرونها موقعا استراتيجياً واقتصادياً مهماً وأن التنازل عنها يعني التنازل عن أمن إسرائيل، كما يشير إلى ذلك الباحث في معهد «الأمن القومي» في جامعة حيفا، دان شيفتان، الذي يرى أن مفاوضات سلام مع سوريا تساعد دمشق على القيام بخطوات «أكثر تطرفاً من اليوم»!
أما يوسي بيلين المحسوب على تيار الحمائم، فيرى أن تخوف الإسرائيليين من مبدأ الانسحاب الكامل من الهضبة السورية المحتلة ووصولهم إلى بحيرة طبرية، هو تفكير صبياني، ويقول: «إن الميزة الاستراتيجية الهائلة للسلام مع سوريا، لا يمكن قياسها بالإحساس غير المريح بأن السوريين يمكنهم أن يصلوا إلى بحيرة طبرية، مثلما كان الوضع قبل حرب الأيام الستة».
كاتب فلسطيني