من المهم القول إن جماعة الإخوان المسلمين البحرينية تمتلك خطاباً سياسياً معلناً غير مُستفز للدولة، بل إن هذا الخطاب قد بدا مناصراً ظاهرياً، على الأقل، لمؤسسة الحكم، بل واستطاعت أن تقدم نفسها كقوة مساندة وعضيدة للدولة في مواجهة القوى السياسية الأخرى المعارضة.

وقد مكنها ذلك من أن تنسج تحالفات مهمة مع مؤسسة الدولة، في مواجهة قوى اجتماعية أو سياسية في الداخل. وهو تحالف قد مكن الإخوان من أن يخترقوا في بعض دول المنطقة مؤسسات خدمية مهمة في الدولة، قد يكون أهمها التعليم، وأن يصل بعض قياداتهم أو عناصرهم أو المحسوبين عليهم، لعدة وزارات وأن يكون لهم نفوذ في المؤسسات الرسمية الأخرى.

وقد يُرجع البعض إلى جماعة الإخوان تردي الناتج الفعلي لبعض أنظمتنا التعليمية. وقد استطاعت الجماعة في حالات كثيرة في الخليج، في السابق كما هو الآن، أن تتغلغل داخل الأنظمة التعليمية. بل إنها في بعض حالاتها قد أحكمت السيطرة عليها، من خلال سيطرتها على مراكز التحكم في هذا النظام.

ولا أعتقد أن النظام التعليمي في عموم دول المنطقة، والذي مثلت إخفاقاته نتيجة لسيطرة الجماعات الإسلاموية، يمكن أن يحقق نهوضه في ظل السيطرة الإدارية والمعرفية والتنظيمية للجماعة.

ولقد كان وعي بعض أركان مؤسسات الحكم في المنطقة، مدخلا مهما لتصويب الحالة التي آل إليها معظم المؤسسات التعليمية فيها، أو إحداث الإصلاح بمداخل مؤسساتية جديدة تحقق من خلالها انطلاقة نظامها التعليمي.

إنها بالفعل القوة الناعمة التي ليس ضمن أجندتها، كما هي الحركة السلفية الجهادية وبعض فصائل الإسلام السياسي الشيعي، الدخول في صراع معلن مع الدولة، وإنما هي تبرز على العكس من ذلك مع المعارضين للدولة من القوى السياسية الأخرى. إلا أنها قد ترتد عليها، أي على الدولة، عندما تشعر بأن حضورها ونفوذها الذي حظيت به قد بدأ يتقلص. ويقدم النموذجان المصري والأردني ولربما الكويتي، أمثلة لقولنا هذا.

وليس سرا أن بعض الدول قد اكتشفت مؤخرا حجم التغلغل الإسلاموي في مؤسساتها الرسمية، وحجم النفوذ والقوة التي باتت تحتلهما في هذه المؤسسات، حيث باتت تقاريرها وأسرارها الداخلية في يد الجماعة الإسلاموية..

وتتميز جماعة الإخوان البحرينية كما هي الكويتية، بكونها في جلها حضرية المنشأ، وأن قياداتها السياسية وكوادرها البشرية من الصف الأول والثاني، هي من الحاصلين على قسط مهم من التعليم العالي. وهم يشغلون مهنا وتخصصات مهمة في مجال التعليم والطب والتجارة والمال..

ورغم أن الجماعة تزخر بكوادر مهنية متقدمة، إلا أن من جيء بهم للمجلس من كوادر الجماعة، لم يعكس إلى حد كبير تلك القدرات المهنية التي تنتظم في داخل الجماعة. فلم يمثل إلا 40% من ممثلي الجماعة السبعة داخل المجلس النيابي، قدرات فنية وسياسية متقدمة. وقد مثل حضور الباقي منهم رقما ودورا تكميليا أو توظيفا «مناكفا» للكتل الأخرى داخل المجلس.

ومن الحق القول هنا إن الكتل الأخرى داخل المجلس، لم تزخر هي الأخرى بقدرات مهنية وسياسية مفيدة للسلطة التشريعية. إذ إن نحو 28% من أعضاء المجلس باختلاف كتلهم السياسية، قد مثلوا إضافة حقيقية لعمل السلطة التشريعية، رغم انطباعية المعايير التي قد تبنى عليها بعض هذه الأحكام.

ويبقى أن الكم الكبير من أعضاء المجلس بمن فيهم تكتل الجماعة، قد أثبتت التجربة انعدام دورهم التشريعي والرقابي داخل المجلس، بل إن السنين الأخيرة أثبتت انقطاع تواصلهم مع قواعدهم الانتخابية التي جاءت بهم لمقاعد المجلس. وهم كنتيجة لتمتعهم بالمنافع والمكانة والجاه، فإنهم سيقاومون أي محاولة تنظيمية جادة للتغيير.

بمعنى آخر فإن الجماعة، وفي حالة قرارها التخلص من بعض أعضاء تكتلها البرلماني الحالي ممن أثبتت التجربة انعدام جدواهم وإنتاجيتهم داخل المجلس، فإنها قد تواجه حالة من الممانعة والصراعات، في ضوء المعطى الطبقي أو الإثني ولربما القرابي، إلا أنها (أي الحركة) لن تشهد انشقاقات أو خروجا عن الإجماع الداخلي، بفعل وحدتها الإيديولوجية وتماسكها التنظيمي.

في حين ستشهد الكتل الأخرى صراعات قد تطفو على السطح بشكل أكثر وضوحا. فعضوية المجلس قد غيرت من الوضع الاجتماعي والاقتصادي بالنسبة للكثير من الأعضاء، وهي حالة لن يتخلى عنها البعض بسهولة ودون ضغوط تنظيمية، وربما «تهديد».

وقد يتدخل بعض المرجعيات الدينية لتزكية البعض دون البعض الآخر، رغم ما أبدته التجربة والسنون من ضعف في الأداء والحضور السياسي والاجتماعي لمن دعمته هذه المرجعيات من أعضاء التكتل، والذين لم يكن مقياس الاختيار لهم يخرج عن المعطى الديني السياسي إلى المعطى الفني ـ السياسي، إلا في بعض الحالات.

وتبقى التطورات السياسية التي مرت بها البلاد خلال العقد الماضي، وتأثيرها على وضع الحركة داخليا، في حاجة إلى وقفة أخرى.

كاتب بحريني

drbaqer@gmail.com