تشمل جولة الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى شرق آسيا، التي بدأها الجمعة 13 نوفمبر الجاري وتستمر تسعة أيام، كلا من اليابان والصين وكوريا الجنوبية وسنغافورة، وهي الجولة الأولى له في القارة الآسيوية منذ استلام منصبه في يناير الماضي. وسيركز أوباما في محادثاته مع زعماء هذه الدول على موضوعين رئيسيين، هما: الأزمة الاقتصادية العالمية، والعلاقة الدفاعية والاستراتيجية مع الحلفاء التاريخيين للولايات المتحدة، ولا سيما اليابان.
وتأتي زيارة أوباما لليابان في مناخ يسوده التوتر بين الحليفين الكبيرين في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. وليس التحالف التاريخي الأميركي الياباني في ذاته هو موضوع تشكيك أو نقد، ولكن هذا التحالف الذي تأسس منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
في ظل سيطرة الحزب الليبرالي الديمقراطي على السلطة في اليابان لخمسة عقود مستمرة، بات يحتاج إلى مراجعة مع صعود الحزب الديمقراطي بزعامة يوكيو هاتوياما إلى السلطة في طوكيو، الذي مثل تغييرا مهما، إن لم نقل قطيعة، مع نهج التبعية الذي كانت تمارسه اليابان في علاقتها مع أميركا. فالديمقراطيون اليابانيون يريدون إقامة «علاقة ندية»، مع الولايات المتحدة، لا علاقة تبعية معها.
وترتبط اليابان بمعاهدة أمن مع الولايات المتحدة تم توقيعها في الثامن من سبتمبر 1951، تحتفظ هذه الأخيرة بمقتضاها، بقوات عسكرية لها في اليابان، قوامها 50 ألف جندي، مقابل دفع اليابان عدة مليارات من الدولارات سنويا، هذا فضلا عن التزام الولايات المتحدة بالدفاع عن اليابان ضد أي هجوم خارجي تتعرض له.
غير أن وصول الحزب الديمقراطي إلى السلطة في اليابان في قلب الخلافات الأميركية اليابانية، يبرز مسألة نقل قاعدة فوتوما الجوية الأميركية في جزيرة أوكيناوا، الواقعة في قلب منطقة مأهولة بالسكان، إلى خليج صغير يقع في شمال الجزيرة، حيث يرفض السكان المحليون بقاء هذه القاعدة. كما أن الديمقراطيين الذين هم الآن في السلطة، يريدون مراجعة الاتفاق بشأن تلك القاعدة الذي وقع بين واشنطن وطوكيو في عام 2006، الأمر الذي يثير غضب الأميركيين.
وتريد اليابان مراجعة وضع «الأمة بامتياز» الذي تحظى به الولايات المتحدة بشأن تمركز قواتها في الأرخبيل، وعلاوة على ذلك، فقد أعلنت اليابان مؤخرا فتح تحقيق حول الاتفاقيات السرية الموقعة بين واشنطن وطوكيو خلال زمن الحرب الباردة، والتي تسمح بوجود أسلحة نووية على الأراضي اليابانية.
وهو ما يعتبر انتهاكا فاضحا للمبادئ الثلاثة التي طالما ردّدها الليبراليون عاليا، عندما كانوا في السلطة طيلة 55 عاما، وهي: عدم صنع، أو امتلاك، أو إفساح المجال لتواجد مثل تلك الأسلحة النووية على الأراضي اليابانية (صحيفة لوموند 10/11/2009).
ويعتقد القادة اليابانيون الجدد أنه بات مطلوبا منهم مراجعة العلاقة مع القوة المسيطرة في آسيا منذ العام 1945. فهم يلمسون بوضوح التغيرات التي حصلت في الأوضاع الجيواستراتيجية في العالم، وتآكل الهيمنة الأميركية على آسيا طيلة مرحلة الحرب الباردة، والتي كان قوامها القوة الاقتصادية والتواجد العسكري الأميركيان، حيث خاضت واشنطن حربين (في كوريا وفيتنام)، وفرضت من خلالهما ما بات يعرف ب«الباكس أمريكانا».
وذلك مع صعود القوة الاقتصادية الصينية التي أصبحت الشريك التجاري الأول لليابان وكوريا الجنوبية، لا أميركا، وبروز كوريا الشمالية كقوة نووية، وكذلك الطموحات النووية الإيرانية.
ما يعزز قناعة الديمقراطيين هذه حول التراجع الأميركي الجزئي، هو ضعف قدرة الإمبراطورية الأميركية على الصعد كلها، الاقتصادية والسياسية والعسكرية، على حكم العالم بمفردها، والأخطاء التاريخية التي ارتكبتها بشن حروبها في كل من أفغانستان والعراق، الأمر الذي أفقدها المصداقية الأخلاقية لدى شعوب العالم، إضافة إلى انتهاكاتها المتكررة للمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، (مثل اللجوء إلى التعذيب في سجون أبو غريب وغوانتنامو)، وأخيرا إخفاق الليبرالية الأميركية الجديدة، التي عرّتها الأزمة المالية والاقتصادية التي تجتاح العالم منذ أكثر من سنة.
كاتب تونسي