يطالب الناشطون في الدفاع عن حقوق المهاجرين في أميركا، ومعهم العديد من الجماعات الهسبانية (الأميركية من أصل لاتيني)، الرئيس أوباما بإقرار رزمة الإصلاحات التي وعد بها في قضية الهجرة.

ولقد شجبت رئيسة مجلس النواب في الكونغرس الأميركي، النائبة الديمقراطية نانسي بيلوسي، حملات ملاحقات وتوقيف الأجانب غير الشرعيين الأخيرة، باعتبارها سلوكاً «لا ينسجم مع القيم الأمريكية». كما عمدت إدارة أوباما أخيراً إلى تجريد قائد شرطة مقاطعة ماريكوبا المثيرة للجدل في ولاية أريزونا، من سلطته الفدرالية التي تخوله القيام باعتقال المخالفين لقانون الهجرة.

لكن من المرجح أن تواجه رزمة إصلاحات أوباما «الشاملة»، معارضة شعبية أشد حتى من المعارضة التي واجهت مقترحات جورج بوش في 2007، والتي كان مصيرها الفشل في نهاية المطاف.

لماذا؟ لأن الظروف على الأرض تغيرت بشكل كبير، خلال العامين الأخيرين.

أولاً، مستويات البطالة في أمريكا تجاوزت الآن 9%، وربما تتخطى عتبة العشرة في المئة، وقد ترتفع حتى أكثر من ذلك في العديد من الولايات الغربية، مثل كاليفورنيا. والفكرة القديمة القائلة بأن «المهاجرين غير الشرعيين يقطفون ثمار الخسّ التي يرفض الأميركيون قطافها»، أصبحت الآن صورة نمطية قديمة أتى عليها الزمن.

وفي الواقع فإن واحداً فقط من بين كل 20 مهاجراً غير شرعي يعمل اليوم في المزارع، أما البقية فمعظمهم يشتغل في أعمال البناء وصناعة الخدمات أو في إدارة شؤون المنازل، بما في ذلك مسؤوليات رعاية الأولاد. صحيح أن العديد من الأميركيين لا يزالون غير مستعدين لقبول فكرة العمل في قطاف البرتقال، مثلاً، لكنهم قد لا يمانعون العمل في أشغال البناء أو في المطاعم.

ثانياً، العديد من الولايات الأميركية تعاني الآن من الإفلاس. الضرائب في ارتفاع مستمر، والناس بدؤوا يشككون في جدوى جميع الإنفاقات الحكومية. ففي كاليفورنيا، وصل العجز في الميزانية إلى 26 مليار دولار، في وقت يقدر إجمالي التكاليف التي تتحملها الولاية لتغطية الاحتياجات الصحية والسكنية والتعليمية والقضائية لحوالي ثلاثة ملايين مهاجر غير شرعي، بأكثر من 10 مليارات دولار في السنة. ومع ذلك فإن الأجانب غير الشرعيين الذي يتلقون المساعدات الحكومية، يتدبرون أمورهم ويتمكنون، بقدرة قادر، من إرسال الحوالات النقدية إلى بلدانهم الأصلية.

هناك، حسب التقديرات، 11 إلى 12 مليون مهاجر غير شرعي يقيمون في الولايات المتحدة، يعتقد أن نصفهم مواطنون مكسيكيون. وكل واحد من هؤلاء، يرسل إلى بلده، في المتوسط، حوالي 3000 إلى 4000 دولار في السنة، وهو ما يجعل القيمة الإجمالية لهذه الحوالات التي تصل إلى 25 مليار دولار سنوياً، مصدراً رئيسياً للدخل القومي للمكسيك. إذن، فالأموال التي ترسل عبر حدودنا الجنوبية، تقارب تكلفة توفير الدعم الحكومي لفئات المقيمين غير الشرعيين في أميركا.

لم يمانع الأميركيون يوماً في مساعدة الفقراء الذين يعيشون بينهم، حتى خلال الأوقات العصيبة. لكن من حقنا أن نتساءل عما إذا كانت ضرائبنا المتصاعدة، تذهب، في جزء منها، إلى أولئك الذين هم أنفسهم قادرون على إرسال الحوالات، التي تعين الحكومة المكسيكية العاجزة والمتقاعسة عن توفير الرعاية الأساسية لمواطنيها.

وأخيراً، فقد شهدت المكسيك أسوأ موجة عنف على صلة بتجارة المخدرات في التاريخ الحديث، وهو ما ينذر بتحويل الحكومة المكسيكية إلى دولة مخدرات، كما حدث في كولومبيا في الثمانينيات من القرن المنصرم. فقد قتل أكثر من 7000 مواطن مكسيكي منذ بداية هذه السنة، في معارك بالأسلحة النارية بين قوات الأمن الحكومية وعصابات المخدرات. والسؤال هنا: من يقبل باستمرار تسرّب هذا العنف من المكسيك إلى المدن الأمريكية الكبرى مثل فونيكس ولوس أنجلوس؟

وعلى الصعيد السياسي، تجد إدارة أوباما نفسها الآن بين المطرقة والسنديان، فهي تواجه ضغطاً متزايداً من الحزب الديمقراطي للمضي قدماً في التساهل في تطبيق قوانين الهجرة أكثر من أي حكومة أخرى، بينما تطالب عامة الناس بشكل متزايد بفرض قيود أكثر صرامة على الحدود ووضع حد للهجرة غير الشرعية. وتشير كافة استطلاعات الرأي إلى أن الرأي العام يعتبر الهجرة غير الشرعية مشكلة خطيرة، ويرى أن الحكومة لا تفعل ما يكفي لإيقافها.

ومن الواضح أن أوباما المتردد، يأمل بأن تتلاشى الأزمة المثارة بشأن الهجرة غير الشرعية من تلقاء نفسها، برغم وعده المنسي الذي قطعه على نفسه في أبريل، بأن يقر «إصلاحات شاملة في قضية الهجرة».

لقد أدى التباطؤ الاقتصادي، إلى جانب تشديد الإجراءات الأمنية على الحدود البرية، إلى خفض عدد الأجانب الذين يدخلون بصورة غير شرعية إلى البلد، إلى أدنى مستوى منذ عدة سنوات.

ولا بد أن أوباما، في سره، مسرور بانكماش أعداد الأجانب غير الشرعيين، بما يتيح لقوى الانصهار الاجتماعي والثقافي في أمريكا العمل على جاليات أصغر وأكثر اندماجاً، بدون الحديث المشحون سياسياً عن العفو والترحيل. وفي العلن، بإمكانه الترديد على أسماع قاعدته الهسبانية بأن بوش، وليس هو، المسؤول عن تشييد الجدار وتشديد الإجراءات الأمنية على الحدود.

وبعبارة أخرى، فإن أوباما، كما في مواقفه بشأن الحاجة إلى المزيد من الجنود إلى أفغانستان، والأزمة النووية مع إيران، سوف «يمتنع عن التصويت» في قضية الهجرة غير الشرعية.

أستاذ الدراسات الكلاسيكية والتاريخية في جامعة ستانفورد

opinion@albayan.ae