قبل أيام احتفلت أوروبا شبه الموحّدة بذكرى انهيار جدار برلين، رمز الستارة الحديدية التي كانت تقسّم العالم بين قطبي الصراع في تلك الحقبة. ذلك الحدث كان بلا شك تاريخيا، نظرا لتبعاته على كافة الأصعدة، وكذلك لأن نتائجه اللاحقة قلبت المعايير الجيوسياسية في أوروبا بشكل بارز. فالاتحاد السوفييتي لم يعد موجودا على الخارطة السياسية، ولا معظم الدول التي كانت تدور في فلكه، حيث انتقلت بقدرة قادر إلى «الحالة الديمقراطية» الجديدة، التي باتت تميّز تطور الصراع الآني في هذه المنطقة من العالم.

اليوم تتذكّر شعوب الدول المحيطة بألمانيا، لاسيما تشيكيا وسلوفاكيا، تبعات تلك التطورات الحافلة، التي يمكن اعتبارها عن حق «تسونامي القرن العشرين»، بالرغم من أن الطابع الذي ميّز الحالة التشيكية ـ السلوفاكية كان مخملي الملمس، نظرا إلى الهدوء الذي رافق عملية نقل السلطة من النظام الشمولي إلى الوريث الديمقراطي الفتي.

اللافت في ذكرى الثورة المخملية التشيكوسلوفاكية، أنها تحل اليوم على شعبي البلدين اللذين انبثقا أصلا عن تلك التطورات، وهما يقفان مجددا أمام مفترق طرق حساس، يدعوهما لإعادة تجديد انتمائهما إلى نفس الخيار الذي تم تبنّيه في تلك الحقبة الثورية المتقلبة. فالسنوات العشرون التي مرّت منذ ذلك الانتصار الشعبي، كرّست الخيار الديمقراطي الحر الذي طالما نادت به القوى السياسية المحلية، لكنها أفرزت من جهة أخرى وضعا جديدا على الصعيد الأوروبي، يؤشر لاحتمالات كثيرة في ما يخص التنافس السياسي القائم، أو على الأقل ما يخص طريقة الانتماء الأوروبي والمدى الذي يبدي كل طرف استعداده للذهاب إليه.

ويبرز هذا الوضع بشكل فريد اليوم، بالتناسق مع حلول الذكرى اليوبيلية، في وقت لا يزال المؤرخون، كل حسب معتقداته الإيديولوجية طبعا، مختلفين حول كيفية تقييم الطابع الثوري لما جرى في تشيكوسلوفاكيا السابقة. فحجم التأثير المحلي في صنعها لم يكن حاسما حسب رأي البعض، لأن الحقائق التي كانت قائمة أظهرت أن الثورة المخملية لم تنتصر إلا لكون الظرف الدولي آنذاك كان مواتيا لتحقيق الاختراق.

الحدث الأبرز كان بلا شك سقوط التحجر الإيديولوجي البغيض، وحلول المرونة الواقعية مكانه. وبالرغم من أن ميخائيل غورباتشوف قد ولد من رحم النظام السياسي والإيديولوجي الذي كان قائما، إلا أن النهج الذي سار عليه لم يكن لينجح، لو لم تكن هناك مباركة شاملة له من قبل المدرسة الإيديولوجية التي كانت تتحكم في مصير كل ما كان يدور في فلك القطب السوفييتي.

لقد أصاب هذا التوجه الجديد جوهر المشكلة، وحدد الطريق الذي كانت شعوب أوروبا تأمل بسلوكه منذ زمن بعيد. ولأنه انطلق من قناعة قيادية تامة بفداحة الأخطاء التي كانت ترتكب باسم الاشتراكية، فإنه تمكن على الفور من ملامسة مشاعر الناس في كل أنحاء العالم، لا في المنظومة الاشتراكية لوحدها.

اليوم تحتفل تشيكيا، ومعها سلوفاكيا المستقلة، بذكرى تلك الثورة السلمية التي اندلعت تدريجيا من رحم التجارب المأساوية للمواطنين عبر السنين العجاف، لكن أيضا المعتمدة على تطورات أشمل ساهمت في إقناع الشيوعيين الستالينيين بضرورة التراجع لصالح هذا التطور النوعي الجديد. ولأن قادة البلدين يعيان تماما أن ثورتهما لم تكن إلا وليدة الزحف الموضوعي المحيط، وأن نتائجها عكست الاختلافات الكثيرة بين أقطابها، وهي لا تزال قائمة حتى اليوم برغم وصول عملية التكامل الأوروبي إلى ذروتها، فإن احتفالهما بالذكرى لم يكن مدوّيا كما كان خلال الأسبوع الماضي في برلين.

يقول كثيرون بأن المهم ليس الاحتفال بعينه، بل أن يتمكن البلدان من استيعاب دروس الثورة وتجييرها لصالح تحقيق مزيد من التطورات الأخّاذة. وقد يكون هذا مطلبا مطروحا بقوة في الوقت الحاضر، في ظل تجذّر المعسكرات السياسية المتفرّقة والمتناحرة على الساحة المحلية، والتي بدأت تمارس قناعاتها بشكل يساهم في إبراز أكثر من علامة استفهام، حول شكل التطور الذي ستشهده هذه المنطقة خلال الأعوام المقبلة.

بالطبع ليس المقصود بهذا الكلام أن هناك إمكانية لعودة الحكم الشمولي وقمع التجربة الديمقراطية، لأن ذلك لن يتحقق بهذه البساطة. فالشيوعيون أنفسهم باتوا مقتنعين، حسب ما يصرّحون به على الأقل، بفشل تجربة الاستئثار بالسلطة من قبل حزب واحد. إذاً، باتت الديمقراطية أمرا مسلّما به، وأصبح من الضروري التركيز على التطور الأشمل ضمن القارة الأوروبية، لكن أيضا على حسابات الصراعات الجيوسياسية الآخذة بالتبلور في أشكالها الدولية الجديدة.

وهنا تحديدا، يأتي دور صنّاع القرار من الجيل القائد الجديد في وسط أوروبا، المطالَبين بقراءة حركة التاريخ بشكل دقيق وموضوعي، واستشراف صورة المستقبل وما يخبّئه لهم ولشعوبهم. فهل سيقرأ القادة الجدد جوهر الحكمة الحقيقية في حركة التاريخ؟