بدأت تتبلور ملامح أزمة جديدة بين موسكو وكييف حول توريد الغاز الروسي، ويصعب القول بأن سداد الحكومة الأوكرانية لفواتير شركة «غاز بروم» عن شهر أكتوبر، قد وضع حدا للخلاف القائم، خاصة بعد أن طالب الرئيس الأوكراني فيكتور يوشينكو الحكومة بإعادة النظر في عقود استيراد الغاز الموقعة مع روسيا، في بداية العام الحالي، وأكد على ضرورة الاتفاق على معادلة جديدة لتحديد أسعار الغاز تأخذ بعين الاعتبار مصالح أوكرانيا، معربا عن قلقه من فشل الحكومة في صياغة اتفاقية جديدة تحدد معايير التعاون بين روسيا وأوكرانيا، وأكد على ضرورة زيادة رسوم الترانزيت التي تحصل عليها كييف، نظير عبور الغاز الروسي لأراضي أوكرانيا إلى المستهلك الأوروبي.

وقد اعتبر الرئيس الروسي فلاديمير مدفيدف أن أزمة سداد أوكرانيا لما استهلكت من الغاز الروسي، ومساعي يوشينكو لإعادة النظر في الاتفاقات مع روسيا حول رسوم الترانزيت، ما هي إلا مشاكل مصطنعة تم افتعالها في سياق حملة الرئيس الأوكراني لانتخابات الرئاسة، وأعرب عن قناعته بأن أوكرانيا تسعى لقطع العلاقات الاقتصادية مع روسيا في مجال الطاقة، مما يهدد استقرار استخدام شبكة أنابيب نقل الغاز المشتركة، التي تضمن أمن الطاقة في روسيا وأوكرانيا والعديد من الدول الأوروبية.

وقد أثارت هذه التطورات قلق الأوروبيين، وطالب رئيس المفوضية الأوروبية جوزيه مانويل باروزو كلا من روسيا وأوكرانيا بحل الخلاف الناشب، مشيرا إلى أن الاتحاد الأوروبي لن يلعب دور الوسيط في تسوية الخلافات التجارية بين روسيا وأوكرانيا، ولكنه سيقدم ما يستطيع من دعم لحل المشاكل المتعلقة بنقل الغاز الروسي إلى أوروبا عبر الأراضي الأوكرانية.

وسارعت موسكو إلى تقديم مذكرة إلى الاتحاد الأوروبي حول آليات الإنذار المبكر في مجال الطاقة، تتضمن الإجراءات المشتركة التي يجب أن يتخذها الجانبان في حال انقطاع إمدادات الطاقة إلى أوروبا، وتحدد هذه المذكرة الإجراءات العاجلة الواجب اتخاذها في حالات الطوارئ من قبل الجانبين، للتعامل مع الحوادث التي تؤثر على نقل الطاقة للمستهلك، بدءاً من الحوادث وانتهاء بشفط المنتجات خلال نقلها عبر أراضي الترانزيت للمستهلك. ولا شك أن هذه المذكرة تأتي في سياق مساعي روسيا لتبرئة ساحتها من الاتهامات الأوروبية بالتقصير في تلبية احتياجات المستهلك الأوروبي، وكمحاولة لإشراك الاتحاد الأوروبي في تحمل مسؤولية ضمان وصول الطاقة للمستهلكين.

ويبدو واضحا أن حرب الغاز بين روسيا وأوكرانيا لم تعد أزمة اقتصادية، وإنما أصبحت تعبر عن صراع سياسي داخل أوكرانيا، وضد روسيا. ومع اقتراب موعد انتخابات الرئاسة تسعى كافة الأطراف لزيادة شعبيتها في الشارع الأوكراني. وإذا كانت رئيسة الحكومة يوليا تيموشينكو تعتمد في زيادة أنصارها على حل المشاكل العالقة في العلاقات الروسية الأوكرانية، وتسوية أزمات الغاز، فإن الرئيس يوشينكو اختار سبيل تصعيد الصدام مع روسيا.

وقد يستفيد يوشينكو من قطع موسكو إمدادات الغاز إلى أوكرانيا، ليرفع شعبيته بين الناخبين من خلال مواجهة العدو المصطنع، أي روسيا. وما يدفع لهذا الاعتقاد هو تصريحات رئيسة الحكومة، التي كشفت أن الرئيس يوشينكو يعيق تسديد ثمن الغاز الروسي بتعطيل تحويل الأموال الذي يتم عبر اتفاقات التعاون بين البنك المركزي الروسي والحكومة الأوكرانية.

ويعكس الوضع الراهن أن الرئيس يوشينكو يستخدم أدوات في المعركة السياسية الدائرة تضر بالأوضاع المعيشية، بل إنها مرفوضة من قبل الحليف الأوروبي الذي حذره عدة مرات من عدم عرقلة سداد قيمة الغاز لروسيا، باعتبار أن أوكرانيا ليست مستوردا للغاز فقط، وإنما أيضا بلد عبور الغاز الروسي إلى أوروبا، ويجب ألا يعاني سكان الدول الأوروبية من انقطاع في إمدادات مصادر الطاقة. ما يعني أن مقدمات تفجر حرب الغاز من جديد بين روسيا وأوكرانيا، ستبقى متواجدة طالما تتوفر للرئيس يوشينكو إمكانية اتخاذ القرار.