من لندن إلى بيشاور ومن نيويورك إلى مقديشو، نجح الإرهابيون في فرض أجندتهم، ولو إلى حين. فعقب اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر، أطاح الأمريكيون النظامين الطالباني في أفغانستان والبعثي في العراق. وفي إسبانيا نجح تنظيم القاعدة في تغيير نتيجة الانتخابات النيابية بتفجيرات مدريد الشهيرة (2004)، حيث أسفرت التفجيرات عن هزيمة خوسيه ماريا أثنار، وفوز رورديغو ثاباتيرو الذي اتخذ بمجرد انتخابه قرارا بسحب القوات الأسبانية من العراق. وفي لندن (يوليو 2005) اهتزت العاصمة البريطانية بتفجيرات ضخمة، أصبحت تعرف بـ «تفجيرات لندن».
وتنفرد تفجيرات لندن بين مثيلاتها بأنها لم تنجح في تغيير وجهة السياسة الخارجية البريطانية، بل ـ على عكس ما هو متوقع ـ دفعت باتجاه تجديد زاوية النظر إلى الإرهاب، لتظهر نظريتان مهمتان لتفسير هذه الظاهرة.
النظرية الأولى تضمنها كتاب كان بين الكتب الأكثر إثارة للاهتمام في العام 2005 يعتبر التنوير أصل الإرهاب، الكتاب عنوانه: «الإرهاب: حرب أهلية في الثورة الفرنسية» للمؤرخ البريطاني المعروف دافيد أندرس المتخصص بتاريخ الثورة الفرنسية.
الكتاب يؤكد أن الإرهاب في الوعي الحديث استعمل للمرة الأولى لوصف الطرق الدامية والقسرية التي استعملتها الحكومة الجمهورية الفرنسية بين 1793 1794 لفرض «عقيدتها» على بلد كان عنيدا. والإرهابيون الأوائل كانوا رجالا مثل روبسبير، سان جوس، ومارات، الذين خططوا هذه السياسة المخيفة وطبقوها. والإرهاب بالتالي لم يكن، في التصور الأولي، سلاحا لمواجهة الحكومات بل الأداة النهائية في يدها، وهو في الشكل الثاني، سواء في 1790 في فرنسا، أو ثلاثينات القرن العشرين في روسيا أَو في سبعينات القرن نفسه في كمبوديا، كان دائما القاتل الأبشع.
وما يكشف عنه الكتاب بشكل واضح أن الإرهاب كان ثمرة الوضع الذي وجدت فرنسا نفسها فيه في منتصف طريق الثورة، فمع صيف 1792 كانت في حرب كارثية مَع النمسا وبروسيا وسرعان ما بدت العاصمة نفسها شبه مهددة. ومواجهين بهذا المشهد الرهيب، قام متطرفو باريس بعمل حاسم ووحشي: أسقط الحكم الملكي وأطلقت عملية تحفيز هائلة لتسجيل المتطوعين للجيش وتم إيقاف الغزو وأعلنت أول جمهوريات فرنسا الخمس.
هذا الإنجاز كان له في الواقع جانب مُظلم جداً. ففي اللحظة نفسها، كان المتطوعون يزحفون للأمام وتم إقناع الحشد الباريسي بأن سجون العاصمة تضم «طابورا خامسا» من أعداء الثورة الخطرين، واقتحمت السجون وذبح 1500 نزيل في «مذبحة سبتمبر» سيئة السمعة. وبعد هذا الحدث التمهيدي «الجماهيري» أخذ الإرهاب «الرسمي» ما يقرب من سنة أخرى ليبدأ. وثانية، كان مرحبا به، بسبب سوء الأوضاع العسكرية على جبهات القتال. ففي هذا الوقت تضافر هذا مع تزايد المعاداة للحكومة في ليون ومرسيليا وتولون، وقبل كل هذا، في فاندي (فندييه) في غرب فرنسا.
وكان رد الدولة هو التخلي التام عن القانون، وتقرر بموجب «قانون الاشتباه» في سبتمبر 1793 اعتقال الآلاف، وتبع ذلك حرمان المتهمين من حقوقهم كافة في يونيو 1794. بهذه الوسائل الجبانة تم تقديم 30 ألف شخص تقريبا لمحاكم أرسلتهم للمقصلةِ في «إرهاب قضائي». وما هو معروف على نحو أضيق من هذا، لكن أكثر دموية بكثير، كان القمع الوحشي للتمردات الإقليمية. فما حدث في فاندي (فندييه) كان أقرب للإبادة الجماعية، التي ربما مات فيها ربع مليون شخص.
ومن يقرأ خطب روبسبيير وسان جوس، يدرك أنه بالنسبة لهم ولزملائهم، لم تكن الأزمة الثورية محنة يتغلبون عليها، بل فرصة فريدة لخَلْق مجتمع جديد، مدينة سماوية مستندة على تصاميمِ جين جاك روسو، دعامتاها الرئيستان ستكونان: الفضيلة، والإرهاب.
وبعبارة روبسبيير الشريرة «الفضيلة بلا إرهاب قاتلة، الإرهاب بلا فضيلة عاجز». كانت هناك رؤية تمجد «الفضلاء»، وتنزع الصفات الإنسانية عن المعارضين بوصفهم «أعداء». وبإمكان المرء التعرف من هذا المشهد على الثورة الفرنسية، كأول صوت حقيقي للاستبداد الحديث. والكتاب يؤسس لوعي مختلف بالدور الخطير للفكر التنويري الوضعي، الذي أسسته الثورة الفرنسية.
النظرية الثانية وردت في فيلم تسجيلي عنوانه «دم وغيظ وتاريخ: أول إرهابيي العالم»، وهو يكشف بالوقائع والتفاصيل، كيف أن حركة «الفوضويون» التي ظهرت وانتشرت في القرن التاسع عشر، هي أول من مارس الإرهاب ونشره في العالم. فهي كانت على نفس القدر من العدمية، والفتك والقتل. وحسب الفيلم فإن السمة المشتركة بين الفوضوي والإرهابي المعاصر، هي أن كليهما يسير إلى حتفه بشجاعة وبلا أسف! كما أن غضبهم وغيظهم وإحساسهم بالغربة والوحشة، وكذلك تكتيكاتهم، جميعها تقريبا متطابقة. والرسالة الأهم التي يوجهها الفيلم للمشاهد الغربي، هي أن «العدو من الداخل».
المثير أن التفسيرين يردان بقوة على الربط الظالم بين الإسلام والإرهاب، الذي طالما كتب مثقفونا ليدينوه، لكن هؤلاء المثقفين هم أنفسهم يقعون ـ دون أن يقصدوا ـ في فخ تسويغ الإرهاب بالإحالة على الاختلالات في العلاقات الدولية، وهم بذلك يقدمون تشخيصا مضللا يترتب عليه أن تكون وصفات العلاج مضللة.
والنظريتان، رغم ما فيهما من إثارة، تتصفان بأهمية أخرى، هي أنهما تتيحان إعادة النظر ـ بناء على معطيات غربية ـ في مفهوم الإرهاب وأسبابه، وبالتالي سبل علاجه. فالإسلام يدفع منذ اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر، ثمنا هائلا بسبب الإلحاح الذي تضاعف على كونه «دين الإرهاب». لكن يبدو أن بعض مثقفينا يرون صورة الثورة الفرنسية أهم، ويحرصون على عدم إغضاب «الفوضويين» أكثر من حرصهم على صورة الإسلام!.