في ردود الفعل المتباينة حول إعلان الرئيس الفلسطيني «أبو مازن» عدم رغبته في الترشح في الانتخابات القادمة، وبعيداً عن عبارات المجاملة أو النداءات المعترضة من جانب، والمواقف المؤيدة للقرار (لأسباب مختلفة أو متعارضة) من جانب آخر، وبغض النظر عمن يأخذون الأمر بجدية، أو من يعتبرونه مجرد مناورة أو صيحة احتجاج من أبو مازن..
فإن ما يستوقف النظر أن أول تعليق أميركي جاء علي لسان وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، التي ترافق قرار أبو مازن مع جولتها الأخيرة في المنطقة، وبعد تصريحاتها التي ربما حسمت موقف أبو مازن نفسه، بإعلانها التسليم الأميركي أمام رفض نتنياهو إيقاف الاستيطان، واعتبارها شروط نتنياهو «تنازلات غير مسبوقة»، وبعد لقاء بينها وبين أبو مازن في أبو ظبي حاولت فيه الضغط عليه، بل وربما تهديده لكي يواصل المفاوضات بدون شروط كما تقول، وهو ما يعني في الحقيقة التفاوض بشروط نتنياهو، وبدون هدف إلا التفاوض في حد ذاته، كما جرب الفلسطينيون منذ أوسلو وحتى الآن!
ما يستوقف النظر في تعليق السيدة كلينتون علي ما أعلنه أبو مازن بشأن عدم ترشيحه، هو التأكيد علي أن «الولايات المتحدة تريد التعاون معه بأي صفة جديدة»..
وهو ما يطرح العديد من التساؤلات حول الموقف الأميركي الحقيقي. وبالطبع، علينا أن نستبعد أن تكون الوزيرة الأميركية في صف ما طالبنا به مراراً من تصحيح الخطأ التاريخي الذي وقعت فيه القيادة الفلسطينية، حين نقلت مركز القرار الفلسطيني من منظمة التحرير إلى السلطة الفلسطينية، فكانت النتيجة سلطة متهاوية تتصارع عليها الفصائل، ومنظمة فقدت أي فعالية مع أنها هي السلطة الأساسية الممثلة للشعب الفلسطيني، والتي ينبغي أن تقود النضال بكل أشكاله.
وأن تتولى التفاوض، وأن تكون السلطة الفلسطينية في الضفة وغزة مجرد جهاز تنفيذي تابع لها. بالطبع لا تقصد الوزيرة الأميركية تصحيح هذا الخطأ، بأن تعود الفعالية للمنظمة وأن يتولى أبو مازن مسؤولية التفاوض من موقعه في المنظمة لا السلطة، لأن هذا يعيد الثقل الفلسطيني ويمنح قضية اللاجئين الأولوية، في الوقت الذي تضعها كل الحلول المطروحة علي الهامش.
وإذا كان الأمر كذلك، فإن حديث الوزيرة يحمل في طياته «عدم الممانعة» في مغادرة أبو مازن موقعه في رئاسة السلطة.. ربما لأنه قد وصل إلى آخر الطريق ولم يعد قادراً على تخطي ما تبقى من خطوط حمراء، أو تقديم ما يراد للفلسطينيين تقديمه من تنازلات جديدة في أمور أساسية، وهو ما يعني أن هناك من يقبل بذلك، ومن ترى واشنطن أنه الأقدر على تنفيذ المخططات المتفق عليها لتسوية القضية.. أو لتصفيتها!
ولا يعني هذا أن يتراجع أبو مازن عن موقفه، فالعكس هو الصحيح، خاصة في ظل عدم المبالاة التي أظهرتها الإدارة الأميركية تجاه تلويحه بترك الرئاسة، وتمسكها بموقفها الذي تخلت فيه عن كل وعودها للفلسطينيين والعرب، وانحيازها لموقف نتنياهو، ومطالبتها باستئناف المفاوضات في ظل الاستيطان، ثم رفضها السريع والقاطع لما طالبت به القاهرة من أن تكون هناك ضمانات أميركية (ودولية)، بأن يكون التفاوض ضمن مهلة محددة تنتهي بدولة فلسطينية علي حدود 67 وعاصمتها القدس.
ليس التراجع هو الحل بالنسبة لأبو مازن، بل التمسك بموقفه والسعي لتحقيق الوحدة الفلسطينية التي تقطع الطريق علي مخططات تصفية القضية وعلي المستعدين للتعامل معها، والاستعداد لمرحلة جديدة تستفيد من فشل تجربة التفاوض من موقع الضعف، ومن عبث التخلي عن المقاومة قبل تحقيق الهدف، ومن خطر غياب الجبهة الوطنية الموحدة التي تقود النضال الفلسطيني.
وتعيد القضية الفلسطينية إلى مكانها ومكانتها في قلب الوطن العربي، الذي سئم من صراع الإخوة الأعداء على سلطة لا قيمة لها، في وقت يتم فيه تفجير الموقف وزرع بؤر التوتر علي طول الأرض العربية، لكي ينكفئ الجميع على مشاكلهم ريثما يتم المطلوب، وهو إعادة تشكيل خريطة الوطن العربي، وفي ظل غياب العرب.. وعلى حسابهم!
ومع تقديري لكل العوامل التي أدت إلى تراجع الموقف الأميركي بالنسبة للقضية الفلسطينية، وقبول إدارة أوباما بالهزيمة أمام حكومة نتنياهو واللوبي اليهودي الأميركي، فإن الأخطر أن يكون ذلك جزءاً من تغيير أساسي في الاستراتيجية الأميركية، تجاه المنطقة التي يجري إعدادها لتغييرات كبيرة قادمة (بالحرب أو بالتوافق)..
وليس مصادفة أن تثار المشاكل بالنسبة لمصر مع دول حوض النيل في هذا الوقت بالذات، ولا أن تسير الأوضاع في السودان نحو انفصال الجنوب، ليتم حصار مصر واستنزافها بين قضايا الجنوب الحيوية وبين ما يجري في فلسطين. وليس مصادفة أيضا أن تنفجر الأوضاع الآن في اليمن بسبب ظروف داخلية في الأساس، ولكن أيضا في ظل عوامل إقليمية تدفع للمزيد من التدهور، حتى تنكفئ الدول العربية في المنطقة علي ما يجري هناك.
الانكفاء العربي على الداخل هدف لقوى كثيرة، فإذا خرج قطر عربي فإلى فضاء إقليمي غير عربي، أو إلى فضاء أوروبي يعمل بالوكالة لأميركا، وليس إلى الفضاء العربي الذي ينبغي أن يجمع القوة العربية، لتكون صاحبة القرار في المصير العربي بما فيه القضية الفلسطينية!
يعود أبو مازن أو لا يعود.. ليست هذه هي القضية، فالقادم أكبر وأخطر، إذا لم يدرك العرب جميعاً أنهم في مرمى النيران، حتى ولو قيل إنها.. نيران صديقة!
كاتب مصري