منذ أن قام ديوان الرقابة، بموجب قانون الرقابة المالية لسنة 2002، بالرقابة النظامية على الحسابات الختامية للوزارات والمؤسسات والهيئات الحكومية، عن السنة المالية المنتهية في 31 ديسمبر 2008، والناس والجهات المعنية ومؤسسات المجتمع المدني ينتظرون تقريرها بفارغ الصبر، لرؤية الحقيقة الداخلية لكل جهة، ولكل سلوك مهني ومؤسساتي يتم فيه تجاوز القوانين وانتهاك اللوائح والإجراءات، أو إهمال أو هدر للمال العام.

وكعادة التقرير المالي لديوان الرقابة، فكلما خرج للنور يبدأ الشارع السياسي والشعبي بالتقاط أنفاسه، ويصبح الموضوع الساخن في أعمدة الجرائد وأحاديث الجمعيات والمجلس الوطني، حول ما جاء في التقرير من حقائق دامغة لا يمكن التشكيك في نزاهتها المهنية وشفافيتها في إبراز النواقص والتجاوزات المتعمدة وغير المتعمدة. ولم تسلم جهات عدة في الدولة من سيف ديموقليس، سيف الجهة الرقابية التابعة للديوان الملكي، مما يعرض بعض الجهات للمساءلة القضائية، غير أن الفارق بين التقرير وبين تنفيذ محتواه وما ورد فيه، يبقى هو عنوان السؤال لدى الشارع البحريني.

لقد كان واضحا تحفظ التقرير على حسابات 4 جهات حكومية، وعلى إبراز حالة 30 مليون دينار لم تضّمن في الحساب الختامي للدولة. وسواء كانت التجاوزات إدارية وفنية ومالية، وسواء كانت المبالغ بعضها يبلغ الثلاثين مليونا أو 1600 دينار بحريني، فإنها في عرف التقارير المالية تعتبر حالة تجاوزات من الضروري أن تكون مكتملة وقانونية، ووفق المعايير الدولية للتقارير المالية في احتساب استهلاك الموجودات الثابتة واستهلاكها، والتي تشكل جزءا مهما من البيانات المالية.

كما كان واضحا خطاب التقرير في حث الجهات الخاضعة لقانون الميزانية، على التقيد بأحكام المادة 38، والتي تنص على تسجيل قيمة السلع والخدمات التي تم تسلمها وقبولها في السنة المالية نفسها، وتحميل كل سنة ما يخصها من مصروفات.

إضافة إلى ضرورة التأكيد على هذه الجهات بتضمين قائمة مطلوباتها في نهاية كل سنة مالية، جميع المصروفات المستحقة عن الخدمات والسلع التي تم استلامها في السنة المالية نفسها.

ضمن ذلك الإطار المهني والقانوني للتقرير، تتكشف حقائق عدة عن تجاوزات وعدم التزام جهات رسمية بتعليمات وشروط تقرير ديوان الرقابة، والذي يدعو تلك الجهات لإعداد كشوفاتها وبياناتها مع إثباتات وقرائن دقيقة لكيفية وآلية صرف كل دينار من تلك الأموال العامة.

وفي كل مرة يصدر فيها تقرير ديوان الرقابة يصاب الشارع بنوع من الإحباط، بسبب أداء بعض المؤسسات الرسمية، بل وحتى تلك المؤسسات التابعة لخدمة المجتمع المدني كالبلديات والمحافظات الخمس في جزيرة صغيرة لا تتجاوز مساحتها أكثر من 600 كيلومتر مربع. وإزاء ذلك العبث أو الإهمال من قبل البعض، يتحول السخط الشعبي إلى نوع من النكتة بهدف امتصاص النقمة وتجنبا لحالة جلد الذات.

فقد عاشت البحرين ردحا من الزمن على فلسفة المقاومة بالحيلة، واستمرت زمنا على روح الهمس في الدهاليز الخلفية والبيوت الصامتة البائسة.

فكيف بالإمكان ضبط الثروة والمال العام في بلد يحلم بالتغيير وبناء دولة القانون في عهد الإصلاح، الذي يكمل اليوم عقدا من الزمن منذ استلام عاهل مملكة البحرين جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة دفة الحكم، والذي أطلق عبارته الشهيرة في إحدى خطبه «إن أجمل الأيام لم نعشها بعد».. فهل تواصل تلك الأيادي الفاسدة وضع العصا في عجلات عربة الإصلاح النابضة في فضاء البحرين المتعطش لكل جديد وتغيير، وهي تعيش لحظة وحلم السعادة في عقد الإصلاح والانفراج السياسي الجديد؟!

كاتب بحريني

baderabdulmalek@yahoo.com