لا نظن أن أي منصف للحقيقة، يستطيع أن يقول: إن الولايات المتحدة عاجزة عن الضغط على إسرائيل لفرض إجراء ما، بل يمكنه القول: إن الإدارات الأميركية المتعاقبة منذ ستين عاماً لم تُرد ذلك، وإن هذه الإدارات كانت ولا تزال ممالئة لإسرائيل وداعمة لها حتى في مخالفاتها لأبسط حقوق الإنسان، ومتفهمة لمخططاتها ونياتها التوسعية الاستعمارية في الأراضي العربية عملاً بمقولة: الأمر الواقع.

اللافت في هذا الأمر أن الرئيس ترومان استخدم هذه الجملة للاعتراف بإسرائيل بعد ثماني ساعات فقط من إعلان إنشائها من قبل بن غوريون يوم 14 أيار 1948 ثم استمرت هذه الجملة عنواناً أميركياً دائماً يخص إسرائيل فقط، وصارت الولايات المتحدة منذ ذلك التاريخ أهم وأقوى داعمي إسرائيل على الدوام وباتت العلاقات الأميركية ـ الإسرائيلية، الخفي منها والظاهر ايضاً، تشير إلى خصوصية يصعب فهمها وخاصة عندما تعكس الإساءة تلو الإساءة لدور الدولة العظمى وللميثاق الأميركي نفسه الذي قام على مبادئ الحرية والعدالة وحقوق الشعوب. ‏

ما يدفع إلى هذا الاستنتاج أن عملية السلام في المنطقة متوقفة ومحبطة وباتت عقيمة تماماً بسبب السياسة الأميركية التي رعت مؤتمر مدريد ثم تراجعت تباعاً عن مبادئه واستحقاقاته التي هي أسس عملية السلام، وصارت تطرح ما يناسب إسرائيل فقط دون النظر إلى عدالة القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، ودون النظر إلى قرارات الأمم المتحدة، وحتى إلى المصالح الأميركية الحقيقية مع دول المنطقة كلها، وهذا كله جعل شعوب المنطقة مستاءة من هذا الانحياز وهذا التحالف الأميركي ـ الإسرائيلي الذي فُهم منه على الدوام العداء للشعوب وقضاياها العادلة، والشك بدور بناء محتمل يمكن أن تقوم به أميركا، حتى وإن سوقت لوسائل الإعلام مقولات فيها دغدغة للمشاعر، وفيها إيحاءات لتغيير الصورة النمطية التي ترسخت في أذهان الشعوب وهي أن الولايات المتحدة لا ترى شؤون المنطقة إلا من خلال العين الإسرائيلية. ‏

اليوم كما بالأمس فإن سياسة الأمر الواقع لا تزال المعيار الأساس لأي تحرك أميركي في المنطقة، وهذا ما يميز سياسة الإدارة الحالية التي بدأت عهدها في البيت الأبيض باندفاعة إعلامية أبهرت البعض لكنها سرعان ما عادت عن تعهداتها التي أعلنها الرئيس أوباما ولم تظهر أنها بصدد خطة عمل فاعلة معيارها أسس ومبادئ عملية السلام في المنطقة، رغم علمها الأكيد بأن إسرائيل أحد أبرز المسؤولين عن تشويه صورة الولايات المتحدة في العالم، وأنها هي التي دمرت عملية السلام ولا تزال تمارس كل ما يعوق عودة المفاوضات لإقامة السلام العادل والشامل في المنطقة. ‏

ويبقى السؤال.. هل ستتغير هذه الصورة النمطية للعلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية الشاذة؟. ‏

لعلّ الجواب لدى إدارة الرئيس أوباما إذا كانت جادة فعلياً بترجمة الأقوال إلى أفعال. ‏