فجأة انتقل اهتمام المراقبين والمتابعين للشأن اليمني، من تداول أسماء لمناطق وقرى في مدينة صعدة شمال اليمن مثل حرف سفيان وعمران والملاحيظ، إلى جبل دخان حيث انفجرت مواجهة حربية دامية في موقع آخر جنوب المملكة العربية السعودية، استعملت فيها الغارات الجوية والقصف المدفعي، إذ تعلن السلطات السعودية أنها بصدد طرد مجاميع من المتمردين الحوثيين تسللوا إلى داخل أراضيها في محيط جبل دخان، مما يعد انتهاكا سافرا لسيادتها وعدوانا مباشرا على أراضيها.
وهذا توسيع لرقعة الصراع بين الحكومة اليمنية وخصومها، إلى فضاء جديد أقحمت في أتونه دولة عربية مهمة ثانية، هي أكبر مصدر للبترول في العالم وذات الرقعة الجغرافية الواسعة والموقع الحيوي، فما الهدف الذي يسعى إليه الحوثيون بتوسعتهم لدائرة الاشتباكات اليومية من اليمن إلى السعودية، وخصوصاً في هذا التوقيت؟
وما الذي يمكن أن تكسبه حركة متمردة من إضافة خصم جديد لها بحجم المملكة؟
في حقيقة الأمر أن السلطات اليمنية قد أعلنت ومنذ فترة طويلة أنها تمتلك معلومات وأدلة موثقة، على أن حركة التمرد الحوثي تتلقى دعما كبيرا، سواء في التدريب أو التمويل والتسليح، من دولة إقليمية وسمتها في مرحلة لاحقة بأنها إيران، وقالت بأنها تمد التمرد بكل أشكال الدعم والمساندة.
كما أن المراقبين السياسيين والإعلاميين يثيرون أسئلة عديدة منذ فترة عن ماهية القدرة المتوفرة لدى هذه الحركة الغامضة، بحيث تقف في مواجهة إمكانات دولة وحكومة طوال هذه المدة وبالكيفية التي يجري بها النزاع، ومن ثم لماذا الآن قررت هذه الجماعة توسيع دائرة الصراع لتشمل نطاقا جغرافيا أوسع، عبر فتح جبهة عسكرية ثانية في جنوب السعودية؟
وهل من مصلحة الحوثيين التكتيكية، وقد مضت عليهم شهور يتلقون ضربات مؤلمة وقاسية من الجيش اليمني، أن يضيفوا لهم عدوا ثانيا بحجم المملكة العربية السعودية المعروفة بحداثة أسلحة جيشها وقدراتها المالية الكبيرة؟
عند رصد هذه التطورات وما سبقها من سجالات وتراشقات إعلامية بين البلدين، فإن الصورة تتضح أكثر لتكشف عن جوانب حقيقية لأزمة تطل برأسها على الإقليم المضطرب أصلا، لترفع من درجة التوتر والتسخين.
فالأيام الماضية كشفت أن قدرات الحوثيين تتجاوز بكثير إمكانيات وقدرات عصابات متمردة وعبثية، من حيث التسليح والتدريب والتمويل، بل وحتى وسائل الاتصال والتنظيم. فقد بين ضابط سعودي لصحيفة الشرق الأوسط يوم 9 نوفمبر الجاري، أن لدى الحوثيين إمكانيات عالية جدا في استخدام أسلحة قنص متطورة، إضافة إلى قيامهم بحفر خنادق قتالية في المنطقة منذ فترة ليست قصيرة.
موضحا أنهم حصلوا على وثائق تدريب وخرائط عسكرية لجبل دخان والمواقع المحاذية، وكلها مكتوبة باللغة الفارسية، كما أن عمليات التمويه والفنون القتالية وحجم الأسلحة المتطورة التي في حوزة الحوثيين، توضح أننا أمام إمكانيات غير تقليدية، وليس مجرد جماعة متمردة لها مطالب سياسية معينة في بلدها اليمن.
إن عملية التقييم الأولية لسير المعارك الدائرة هناك، وما تحظى به من انحياز إعلامي إيراني واضح لصالح إبراز انتصارات الحوثيين والدفاع عنهم، يتعدى في مضامينه حدود التعاطف المذهبي كما يروج المدافعون عن السياسات الإيرانية.
وهذا يعزز مواقف القائلين بأن إيران (الدولة وليس الثورة)، تسعى ومنذ مدة طويلة إلى خلق بؤر عديدة أو «جزر منعزلة» تستطيع تنشيطها في الوقت الملائم، بحسب متطلبات استراتيجيتها وسعيها الدؤوب للتحول إلى قوة إقليمية، يحسب لها حساب في المنطقة عند تعاطي القوى الكبرى مع شؤون منطقتنا العربية، والتي تحرص إيران على اعتبارها في كل الأزمنة منطقة نفوذ حيوية لها.
ومثل هذه الحروب تحتاج قبل استخدام السلاح، إلى توفير أدوات ووسائل لما يسمى «حرب المعلومات»، وإلا كيف تمكنت مجموعة متمردة في جبال صعدة خلال بضع سنوات، من تنظيم نفسها وتوفير كل هذه الكميات من الأسلحة ووسائل الاتصال الحديثة وتأمين طرق الدعم اللوجستي لها؟
وأين كانت الأجهزة اليمنية المختصة عن مراقبتها وخنقها أو تشتيتها وإجهاض برامجها؟ وكيف استطاعت قوى عديدة وأجهزة مخابرات إقليمية الوصول إلى صعدة وتمكين هذه الحركة المتمردة ورفدها بكل عناصر الدعم والديمومة؟ ثم لمصلحة من هذا التعرض لأراضي المملكة العربية السعودية الدولة المحورية في المنطقة؟
وهل سينتهي الأمر عند هذا الحد؟
إنها من غير تأويل، محاولة للتخريب في بلد عربي هام كاليمن، ومن ثم شروع في مسعى لإشغال السعودية واستنزاف قدراتها وجرها إلى حرب عصابات لها أول وليس لها آخر، ومحاولة لإقحام القوات المسلحة لبلدين عربيين في هذا الشكل من الصراعات الخطرة.
يبقى هاجسنا جميعا أننا الآن نرى دخانا أسود ينبعث من جبل دخان، فهل هذا الدخان سيتبدد سريعاً في سماء المنطقة، أم أنه سيظلل بسواده ساحات وأمكنة أخرى في المستقبل؟
كاتب عراقي