بنظرة غير ضيقة الأفق، ليس المهم من سيفوز في المباراة الرياضية اليوم (السبت) بين المنتخب المصري والمنتخب الجزائري، ولكن الأهم، سواء فاز هذا الفريق أو ذاك، أن يصعد إلى تصفيات كأس العالم في جنوب إفريقيا، الفريق العربي الأقدر على تشريف الشعب المصري والجزائري وكل الشعب العربي أمام العالم، وفوز الفريق المصري القوي سيشرف العرب، كما أن فوز الفريق الجزائري سيشرف العرب..

ففوز أحدهما اليوم ليس بداية العالم ولا نهايته، فقد سبق لكل منهما أن فاز على الآخر.. ولأن الكرة مدورة فالفوز والخسارة دوارة، ومن سيخسر اليوم سوف يكسب غدا.

وبنظرة ضيقة الأفق يحاول البعض في الإعلام الرياضي وفي الشارع غير الرياضي، بالشحن العصبي المتشنج وبالهجاء والتفاخر الجاهلي غير المسؤول في الجانبين، أن يحول المباراة بين فريقين عربيين إلى فتنة كريهة بين شعبين عربيين، ربط بينهما أعمق العلاقات الأخوية العربية والإسلامية، والشراكة النضالية التاريخية، سواء في حرب تحرير الجزائر في عهد عبد الناصر وبن بيللا، أو في حرب تحرير سيناء في عهد السادات وبومدين، ولا يزال يشدهما إلى بعضهما أعمق العلاقات في عهد مبارك وبوتفليقة، ويجب النظر إلى المباراة بينهما بما يعكس القيم والأخلاق والتقاليد الرياضية والعربية والإسلامية الأصيلة لشعبينا الشقيقين.

والواقع أن المباراة هي على مساحة خضراء محددة ومحدودة تقاس بالأمتار وليس بالأميال، وعلي مساحة لا تتعدى حدود الاستاد الرياضي إلى حدود البلدين، ولا يلعبها ولن يحسم نتيجتها إلا 11 لاعبا عربيا من الجزائر و11 لاعبا عربيا من مصر، وليس الشعبين العربيين اللذين لا يلعبان، بل هما في الواقع مجرد متفرجين ومشجعين كل لفريقه.

وإذا كان من الطبيعي أن يسعي كل فريق بلاعبيه للفوز على الفريق المنافس، فمن الشاذ والمستنكر والمرفوض، بأي مقياس أخلاقي رياضي أو وطني أو قومي، ذلك الشحن المتشنج والتعصب المقيت، والهجاء الجاهلي من بعض الإعلاميين أو الرياضيين في الجانبين، الذي لا يمكن أن يعكس إلا إفلاسا في حساب كل شيء..

فماذا يهم كسب مباراة وخسارة شعب، أو شحن مشاعر وصدمة شعب إذا خسر فريقه؟!.. فحذار من الغرور من أي من اللاعبين أو التهور من أي من المشجعين!

في الماضي كان الإسلام يوحد كل المسلمين، والعصبية العرقية والمذهبية هي التي تفرق، وكانت العروبة توحد مشاعر العرب، وكانت الانعزالية القطرية الأفق هي التي تفرق، وكان الإعلام العربي يوحد العرب والسياسة هي التي تفرق، وكانت الروح والأخلاق الرياضية تهذب المشاعر الإنسانية وتربط بين الشعوب، وكانت الحروب وحدها هي التي تباعد وتولد البغضاء والتعصب.

وفي الحاضر كانت دبلوماسية تنس الطاولة هي التي مهدت لإعادة العلاقات بين الصين الشيوعية وأميركا الرأسمالية، ومباراة كرة القدم بين فريقي تركيا الإسلامية وأرمينيا المسيحية بحضور الرئيسين، هي التي بددت المشاحنات التاريخية بين الشعبين، ولا نتمنى أن نكون نحن العرب، مصريين أو جزائريين، وحدنا الاستثناء الشاذ بين العالمين!

واليوم في زمن التردي لا نقبل أن يتردى كل شيء من حول الإنسان، حتى يصل إلى الإنسان العربي ذاته، فبكل أسف صارت الأشياء الجميلة في زمن القبح، والقيم السامية في زمن الانحطاط، والمثل العليا النبيلة في زمن الرذيلة، وفي عصر السوق أو السوء لا فرق، تبدو هي البائدة بعدما كانت هي السيدة والسائدة! لينقلب الحال لدى بعض شهود الزور في الإعلام وفي الرياضة.

كما في الثقافة والسياسة، على واقع وقيم وتقاليد هذه الأمة، وعلى غالبية شعوبها التي ترفض العودة لعصور الظلام الجاهلية، وإلى المعارك القطرية الضيقة والشعوبية المتعصبة والمذهبية الاصطناعية، والتي ولى زمانها في عالم ينفتح ولا يتقوقع في ذاته الضيقة، ويتوحد ولا يتجزأ.

ومع كل ذلك نتوقع أن يكرم الشعب المصري العظيم المضياف ضيفه الشقيق، وأن يرتفع الجميع لاعبين ومشجعين وإعلاميين وإداريين، إلى مستوى المسؤولية الوطنية والعربية، وأن يتحلوا بالأخلاق الرياضية، ليقدموا لمحبي متابعة الكرة النظيفة مباراة ممتعة ونظيفة.

خصوصا بعد أن أثبت حكماء المسؤولين في البلدين المتوقع حضورهم، حرصا كبيرا على أخوة الشعبين الأغلى من كل كؤوس العالم، تجلى بمبادرات المحبة من عقلاء الرياضيين، أو بترتيبات الأمن المصرية الصارمة لمنع مثيري الشغب.. لأن النتيجة لن تصنعها البلطجة، بل ستصنعها مهارات الفريق الأكثر كفاءة.. ومبروك مقدما للفريق العربي الفائز، سواء كان الجزائري أو المصري.

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com