حلّ يوم قدامى المحاربين مجددا على نحو ما يحدث كل خريف، ووصل حاملا معه سمات هواء رقيقة، واكتست الأشجار بألوان بهيجة. والأيام الباقية من العام التي تكتسي بالجد كما بالأمس، تتراجع اليوم لتغدو أياما قليلة.
ولو أن أيا من هذه المؤشرات لم يبرز قدوم يوم المحاربين القدامى، فإن الإعلان عن الحملات الترويجية في مراكز التسوق، كان عليها أن تذكر هؤلاء الذين لا تربطهم علاقات شخصية أو تجارية بالخدمات العسكرية، بقرب قدوم هذا اليوم.
في هذا العام.. رحل عن عالمنا آخر جندي بريطاني من قدامى المحاربين الذين شاركوا في الحرب العالمية الأولى.
وكان آخر جندي أميركي من قدامى المحاربين من الذين شاركوا في تلك الحرب، قد توفي عام 2007 عن 108 سنوات. وجيل المحاربين القدامى العظماء الذين شاركوا في الحرب العالمية الثانية، والذي كان تعداده في وقت من الأوقات يصل إلى 15 مليون محارب غيروا وجه أميركا، تتراجع أعدادهم الآن بسرعة. وبالمثل فإن المحاربين القدامى في حرب كوريا، تلك الحرب المنسية، تتراجع أعدادهم أيضا.
والمحاربون القدامى الذين يبلغ تعدادهم ثلاثة ملايين جندي ممن خدموا في حرب فيتنام، هم أيضا أعدادهم في تراجع.
وتساهم الحربان اللتان خاضتهما أميركا في العراق وأفغانستان، بدفق أصغر. والقادة العسكريون والسياسيون يحللون ويتخذون القرارات، في ما يتعلق بالمسار المستقبلي في أفغانستان الذي يمكن أن يفضي بنا إلى سنوات من القتال والى الكثيرين من قدامى المحاربين.
ولكن الخدمة العسكرية تقتصر اليوم في أميركا على القلة التي تتطوع للقيام بذلك، خلافا لقيام الحروب الكبرى والتجنيد الإجباري الذي كان يملأ صفوف المؤسسة العسكرية الأميركية بالملايين من الشبان.
واليوم، وبينما يبلغ عدد سكان الولايات المتحدة 300 مليون نسمة، فإن أقل من 1% يرتدون الزي العسكري، وهم بالاشتراك مع عائلاتهم، يحملون كل العبْء والتضحية في ما يتعلق بحماية أميركا والدفاع عنها، بينما لا يفكر الأميركيون كثيرا في أولئك الذين يدفعون هذا الثمن الباهظ.
وهذا ليس بالأمر الصواب، وبالتأكيد ليس ما قصده الثوار الأميركيون الذين انتزعوا قارة من يد ملك بريطانيا، مخاطرين بحياتهم وأملاكهم.
إن أقل ما ينبغي على الأميركيين القيام به، هو أن يظهروا شيئا من الامتنان والاحترام لقدامى المحاربين، ولمن يخدمون في صفوف المؤسسة العسكرية الأميركية في ميادين القتال الخارجية. فهم لم يبدأوا الحروب، وإنما يقوم بذلك السياسيون الذين يقرعون عاليا طبول الحرب وبمزيد من الفخر، ويسوقون إلى ساحات المعارك أبناء وبنات الآخرين.
ولو أنه كان هناك مطلب عادل لخدمة الوطنية، وأن هؤلاء السياسيين كانوا مشاركين بصورة حقيقية في هذه العملية، فإنني أتساءل: كيف كانوا سيقترعون على تلك القرارات التي تتعلق بشن حروب بلا نهاية ودفع مقابلها؟ فمن النادر أن تسمع بجنود قدامى يقدمون وصفة الحرب، كحل لأي شيء على الإطلاق.
اليوم تعيد الحروب إلى الأوطان مئات الآلاف من قدامى المحاربين الجدد، وهم في أشد الحاجة إلى فرص العمل والتعليم والرعاية الطبية والذهنية، والى ترحاب حار من أمة تشعر بالامتنان حيال كل ما أعطوه بمزيد من التضحية بالنفس.
إن ما يزيد على 30% من قدامى المحاربين العائدين إلى أميركا، والذين خدم الكثيرون منهم في جولتي قتال أو ثلاث أو أربع.. يحتاجون إلى استشارة طبية متخصصة في علاج اختلال ما بعد الصدمات العصبية. وهناك آخرون منهم، ذهبوا ضحايا لإصابات في المخ ناجمة عن انفجارات ألغام وقنابل العدو. وهناك آخرون عانوا من عمليات بتر متعددة للأذرع والأيدي.
إن الأميركيين مدينون لقدامى المحاربين، ليس بالاحترام فحسب، وإنما بأفضل رعاية طبية يمكن لأميركا أن تقدمها لهم، وذلك على الرغم من أن هذا ليس بموضوع مفضل لدى السياسيين الذين يقرعون طبول الحرب في «الكابيتول هيل»، خلافا للحماس الذي يبدونه في أي إجراء يتعلق بتخصيص مليارات الدولارات لأحدث مبتكرات الصناعات العسكرية.
إن المسؤولين في البنتاغون، الذين يمكنهم بسهولة ابتلاع عقود لمتعاقدين ضبطوا بالفعل وهم يسرقون ملايين بل مليارات الدولارات، يأتون بخطط لزيادة الرسوم على التأمين الصحي على قدامى المحاربين، وهم يضغطون كذلك على الأطباء العسكريين ليبحثوا عن قضية متعلقة بالوضع الصحي الذهني السابق لقدامى المحاربين، لكي يتمكنوا من رفض المطالبة بتغطية تكاليف علاجهم، ولكي يلقوا بالجنود إلى عرض الطريق دون مزايا صحية. إن من العار عليهم أن يقوموا بذلك، ومن العار على الأميركيين أن يتركوهم يفعلون ذلك.
إن علينا أن نفكر في أولئك الذين ندين لهم بالكثير، وأن نكتب لأعضاء الكونغرس نقترح عليهم التقاعد المبكر، إذا لم يكونوا يدلون بأصواتهم بالشكل الصحيح في ما يتعلق بهذه القضايا.
امض إلى هؤلاء، وقُل شكرا للرجال والنساء الذين ضحوا بالكثير، ولسوف يجلب ذلك دموع التأثر في عيونهم.
صحافي أميركي متخصص في الشؤون الاستراتيجية