تشهد فرنسا هذه الأيام حركةً دبلوماسية نشطة، بعدما زارها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو إثر زيارته إلى الولايات المتحدة مباشرةً، وتبعه أمس الرئيس السوري بشار الأسد. وتزامنت هذه التحركات مع دعواتٍ علنية ومتكررة من قبل قصر الإليزيه، إلى الرئيس الفلسطيني محمود عباس للعدول عن قراره عدم الترشح للانتخابات العامة مطلع العام المقبل، والحديث عن طرحه «أفكاراً مهمة» للدفع بعملية السلام في الشرق الأوسط.
ويبدو الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي في وضعٍ سياسي دولي يؤهله للعب دور الوسيط، في ظل النكوص الأميركي المفاجئ والمخيب للآمال في ما يخص عملية السلام، حيث يبرز الدور الفرنسي والحال كذلك مهماً، من جهة أن باريس اعتادت على الخروج إلى ميدان الدبلوماسية والوساطات في الوقت الضائع، حينما تعيش الإدارة الأميركية ضبابيةً في سنتها الأولى أو الأخيرة.
وفي الوقت الذي ينتظر فيه من الدور الفرنسي أن يكون فاعلاً، وليس حلقةً في سلسلة الفشل الذي اعترى العملية السلمية منذ انطلاقتها، فإن الدول العربية تأمل أيضاً في أن يكون هذا الدور تحت غطاءٍ أوروبي وليس تحركاً منفرداً، بحيث يعطي الشرعية والزخم المطلوب لأي اتفاقٍ يمكن أن تتوصل إليه الأطراف المعنية.
وإذا كانت فرنسا تسعى إلى الدخول إلى حلبة المفاوضات، رغبةً منها في وضع نفسها كلاعبٍ دولي في المنطقة، وخاصةً إذا أخذ بعين الاعتبار تشكيلها قبل عام للاتحاد من أجل المتوسط الذي جمع شطري البحر الأبيض، فإن الخشية تكمن في أن لا يعدو الأمر عن كونه تبادلاً للأدوار بين واشنطن وباريس بمباركة أميركية، بسبب التغييرات المقلقة في موقف الولايات المتحدة من قضايا مهمة وحيوية لإحياء عملية السلام، مثل تجميد الاستيطان.
ليس المهم حقيقةً إطلاق مؤتمرٍ جديد لعملية السلام يرث سابقيه وينتهي كما انتهيا بسبب الصلف الإسرائيلي، بل ما على كافة القوى الدولية إدراكه هو أنه لا سلام حقيقياً يقنع الشعوب بجدواه، إلا بإنهاء الأسباب التي أدت إلى انتفائه.
إن أي تحرك من هذا القبيل، وهو مرحب به بلا شك، ينبغي له في ذات الوقت أن يكون واضح المعالم، بحيث يفضي إلى إعادة عجلة السلام إلى الدوران، تمهيداً لقيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، وإعادة الأراضي العربية المحتلة، وحل قضايا الوضع النهائي بما يعيد للفلسطينيين حقوقهم المشروعة.
