اتخذ الدكتور حنا ناصر رئيس لجنة الانتخابات الفلسطينية قرارا منطقيا بالتوصية بتأجيل الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي دعا اليها الرئيس الفلسطيني محمود عباس في الثلث الاخير من شهر كانون الثاني (يناير) المقبل، بسبب عدم وجود الظروف العملية والسياسية الملائمة للاقدام على خطوة كهذه.
فغياب التوافق السياسي، وتفاقم الانقسامات بين طرفي المعادلة السياسية اي حركتي 'فتح' و'حماس'، ووجود كيانين فلسطينيين متباعدين لا رابط اداريا رسميا بينهما، كلها عوامل تجعل من اجراء انتخابات فلسطينية على هذه الدرجة من الاهمية عملية صعبة ان لم تكن مستحيلة.
الدكتور حنا ناصر كان شجاعا في مؤتمره الصحافي الذي عقده امس عندما تحدث عن الصعوبات، بل وعدم الجدية في اجراء هذه الانتخابات، وانعدام التعاون مع لجنته من قبل حكومة قطاع غزة التي منعت دخولها. وهذه الشجاعة غير مستغربة على شخص مثله يتمتع بشفافية واستقلالية يعرفهما الجميع.
الرئيس محمود عباس سيعمل قطعا بهذه التوصية، ان لم يكن بالاساس قد اوعز بها الى لجنة الانتخابات، كمخرج له من الازمة التي يعيشها حاليا، بعد قراره الذي اعلنه قبل اسبوع بعدم الترشح في اي انتخابات رئاسية قادمة احتجاجا على تراجع الادارة الاميركية الحالية عن شرط تجميد الاستيطان للعودة الى مائدة المفاوضات مجددا.
فاجراء انتخابات في الضفة الغربية دون قطاع غزة سيعني تكريس الانقسام الحالي بين المنطقتين، وسيكرس السلطة الوطنية في الضفة فقط، وسيخلق ازدواجية دستورية، اي مجلسا تشريعيا في رام الله وآخر في غزة، والشيء نفسه ينطبق على السلطة والحكومة والرئاسة.
الرئيس عباس يريد ان يكون رئيس تصريف اعمال، ولمدة مفتوحة، تماما مثل رئيس وزرائه سلام فياض وحكومته، وجميع المؤسسات الفلسطينية الاخرى مثل اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير والمجلسين الوطني والمركزي.
ومن المفارقة ان مثل هذا الوضع يلقى ارتياحا من بعض الاوساط الغربية والدولية، فقد اعلن السيد نبيل ابو ردينة المتحدث باسم الرئيس عباس ان الاخير تلقى اتصالين يوم امس احدهما من بان كي مون امين عام الامم المتحدة، والثاني من ديفيد مليباند وزير خارجية بريطانيا يطالبانه بالعدول عن قراره بعدم الترشح في انتخابات الرئاسة.
السؤال الذي يطرح نفسه هو عما اذا كان امين عام الامم المتحدة يمكن ان يطلب من غوردون براون رئيس وزراء بريطانيا او بوتين رئيس روسيا الترشح او عدم الترشح للانتخابات، او حتى اي مسؤول آخر في دول العالم الثالث.
انه تدخل يكشف مدى هشاشة العملية الديمقراطية الفلسطينية، وحجم التدخل الخارجي في نتائجها. فالمطلوب ان تنتج هذه الديمقراطية المرشح الذي يريده الغرب لابقاء الاوضاع على حالها دون تغيير، حتى لو كان ذلك كارثة على الشعب الفلسطيني وطموحاته الوطنية في التحرر والاستقلال.
