انقسم العالم بين معسكرين، شرقي وغربي، نتيجة ما أفرزته الحرب العالمية الثانية، وتبعاً لذلك انقسم العرب إلى أحد المعسكرين، فتفجرت حروب وانقلابات ، واستغلت إسرائيل تلك الفرصة بإقامة حروبها التي انتصرت في بعضها وخرجت مهزومة من أخرى، والاستغراب أنه كيف تم تجميع عناصر من شعوب وقوميات وثقافات لتقوم الدولة على ما اعتبرته وعداً إلهياً ، وليمتزج هذا الخليط في دولة إسرائيلية تبني قدرات هائلة تقنية وعسكرية، وتسن نظاماً يتساوى فيه الجميع أمام القانون، بينما قاطنو الأرض العربية على مدى التاريخ وولادة أولى الحضارات الكونية فوق ترابهم ، ونشوء الأبجديات والاكتشافات التي فجرت الحضارات الأخرى، عجزوا عن أن يشكلوا ائتلافاً يراعي أبسط معايير العلاقات التي تجمعهم رغم توفر العوامل المؤسّسة لذلك من أرض وتاريخ ولغة ودين؟ والسبب محير لقارئ مسيرة الزمن وسرّ هذا التخلف الذي جعل أي سبب تافه يقيم الانقسامات والحروب مما يهدد بتفتت الوطن إلى «كانتونات» يغيب فيها أبسط معايير العقل..

الاتجاه الآخر بدأ يتعمّم على العالم الإسلامي برمته بالتحولات السلبية عندما بدأ الإرهاب يأخذ بعداً دولياً، ترعاه، للأسف منظمات ودول حولت هذا الدين إلى محور شر مع شعوب وأمم ظلت تساند قضايانا وتتعاطف مع ديننا باعتباره دعوة حق في وجه الظلم والقهر، ثم بدأ المسلسل الآخر بميلاد المذاهب والطوائف، لنشهد خطراً رهيباً في حروب بين سنّة وشيعة، وسنّة تختلف على منطلقاتها بين متشددين ومنفتحين، وكلّ يفسر موقفه من الحياة والكون بسياسة جديدة، وكذلك الأمر بالنسبة للشيعة التي بدأ بعض عناصرها يذهب بعيداً لتسخير الوطن لصالح الطائفة، وفي هذا التزامن العجيب صارت الأمور تدخل الأنفاق المظلمة لعالم يتشظى بين قوى ومذاهب وأيديولوجيات، ثم بدأت الحروب الخلفية في بلدان تؤوي أقليات مسلمة دخلت لعبة الأدلجة لصالح الإرهابيين، مما فرض عداءً مستحكماً مع تلك الدول واعتبار كل مسلم متهماً حتى لو ثبتت براءته، والسبب لم ينشأ من دول الإيواء، وإنما ممن اعتبروا العالم ساحة حرب ، وهو أمر لا تسوغه القوانين ولا العقول، في وقت كان يفترض أن يكون العالم الإسلامي دافعاً لتلك الأقليات بأن تكون نموذجاً في التعايش والتلاؤم مع تلك الشعوب، أسوة بأقليات أخرى، استطاعت أن تثبت حضورها العلمي والثقافي متجاوزة واقعها، دون أن تفقد هوياتها..

وحدنا، العرب، والعالم الإسلامي في حالة حروب مع أنفسنا والعالم كله، وهذا نقص حاد في التفكير والسلوك، ولعل مراجعة هذا النقص ولجم الفوضى السائدة ضرورتان لرد اعتبارنا قبل أن تقع الكوارث ونصبح العالم الذي يأكل نفسه