لم يحدث أن ذهب أي رئيس أميركي في التصريح بضرورة أن يحلّ السلام في الشرق الأوسط ومطالبة إسرائيل بتجميد بناء المستوطنات والقبول برسم الحدود على أساس الدولتين، إلى الموقع المتقدم الذي وصل إليه باراك أوباما.
لقد كان صريحا وواضحا وحازما وذا لهجة مصممة، أثناء خطابه الشهير في جامعة القاهرة يوم 4 يونيو الماضي، عندما أكّد أنه حان للفلسطينيين أن يعيشوا في كنف دولة ينتمون إليها، إلى جانب إسرائيل.
بدا يومها صادقا، أو على الأقل كان هناك ما يدفعنا كي نصدّقه لأسباب عديدة. أولها أنه قد طرح حل المسألة الفلسطينية في مطلع فترته الرئاسية، ولم ينتظر مثلما فعل الرؤساء الأميركيون الذين سبقوه.
والكلّ يذكر وعود جورج دبليو بوش المتأخرة التي أدرك الجميع عدم جدّيتها، نظرا لقصر الفترة الزمنية التي وعد أن «الدولة الفلسطينية» سترى النور خلالها. والكلّ يذكر أيضا محاولة سابقه بيل كلينتون الوصول إلى اتفاق بين الفلسطينيين والإسرائيليين في كامب دافيد، وما واجه ذلك من فشل خلال صيف عام 2000، أي قبل مغادرته البيت الأبيض ببضعة أشهر.
وبدا أوباما جديّا في توجهه نحو القيام بإعادة صياغة عميقة لعلاقات أميركا مع بقية العالم. كان مجرّد انتخابه، بما يمثله وما تمثّله أصوله، قد جعل الآخرين، أصدقاء أميركا وأعداؤها، ينتظرون حدوث تغيّرات كبرى في توجهاتها.
وكان هناك ميل لتصديقه، على أساس أن ما طرحه يذهب أصلا في مصلحة الولايات المتحدة نفسها، ذلك أنها بحاجة ماسّة إلى تحسين صورتها التي كانت السياسة المغامرة و«غير الحكيمة» للإدارة السابقة قد شوهتها إلى حد كبير. وبدا أن أوباما قد أراد أن يجعل من بوّابة الملف الفلسطيني مدخلا إلى رفع أسهم أميركا «الهابطة»، نظرا لأهمية هذا الملف على المسرح الدولي، وما يجسّده من حساسيات، وما أثاره من نزاعات كانت لها أصداؤها في العالم كلّه.
لكن، وبمقدار ما كان أوباما صريحا وواضحا فيما وعد به وشرع في اتخاذ خطوات عملية في محاولة تنفيذه، كان الموقف الأميركي صريحا وواضحا هو الآخر، في المنعطف الذي عرفه مؤخرا وعبّرت عنه وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون في تل أبيب، عندما فاجأت الجميع بطلبها من الفلسطينيين التخلّي عن مطلب تجميد إسرائيل الكامل لبناء المستوطنات كشرط قبل استئناف المفاوضات.
الرئيس أوباما كان قد قال بصريح العبارة قبل أشهر قليلة، إنه ينبغي على إسرائيل تجميد الاستيطان. صحيح أن السيدة كلينتون حاولت أن تخفف من صراحة ما قالته بأنه «أُسيء فهمها». لكن ما قالته لم يكن ملتبسا، وقد فهمه العرب كما فهمه العجم، مثلما دلّت تعليقاتهم وتحليلاتهم.
فما الذي حدث؟ ليس من السهل بالطبع تقديم إجابة قاطعة على مثل هذا السؤال، لكن قد يمكن القول إن نكوص أوباما عمّا كان قد صرّح وطالب به، هو نتيجة «منطقية» لعدد من خطوات التراجع المتتالية منذ خطاب القاهرة وطلب التجميد الكامل لبناء المستوطنات.
الإسرائيليون لم يستجيبوا، والإدارة الأميركية لم تفعل أي شيء في مواجهة تحديها، ولم يلمح أحد أي «طيف» لإجراء، أو تهديد بإجراء، بسيط في مجال المساعدات، أو من أي نوع قد تحاول فيه إدارة أوباما التلويح بجديّة ما كان رئيسها قد اعتبره الطريق المؤدية للسلام في الشرق الأوسط.
ومن جهة أخرى ألمحت معلومات مصدرها البيت الأبيض إلى أن الرئيس أوباما قد يعلن عن خطّة أميركية كاملة متكاملة في الخريف حول السلام «المنشود»، لكن رفض أوباما البوح بأي شيء يتعلق بخطته، هو استجابة للمطلب الإسرائيلي بطرح كل شيء في إطار «المفاوضات».
والكل يعرف أيضا الموقف الأميركي من تقرير القاضي غولدستون حول جرائم إسرائيل أثناء عدوانها على غزّة. ثمّ كانت تصريحات السيدة كلينتون مؤخرا في تل أبيب، كمحطة حاسمة في مسيرة التراجع عن الخط المعلن في خطاب القاهرة.
هذا التراجع قد يمكن اعتباره إقرارا من أوباما بالهزيمة أمام مجموعات الضغط «اللوبي» المؤيدة لإسرائيل في أميركا، داخل إدارته وخارجها. ولكن، نظرا للسرعة التي جرى بها التغيّر و«النكوص»، يتولّد بعض الشكوك أن «مساومة» ما قد حصلت، وعملت في اتجاهها هذه المجموعات، ولا يُستبعد أن تكون لها علاقة بالمواقف من الملف النووي الإيراني، وتعهّدات إسرائيلية بتسهيل دبلوماسية «اليد الممدودة» لأوباما حياله، مقابل تعطيل مطلب وقف بناء المستوطنات.
ما يغذّي هذه الشكوك هو التبدّل الذي عرفه الخطاب الإسرائيلي، الذي كان ناريا في الماضي مع تصريحات من نوع قول نتانياهو: «لن نسمح لأولئك الذين ينفون حدوث المحرقة أن يرتكبوا محرقة أخرى»، والتهديد بتطبيق «مبدأ بيغن» القائل بمنع أية دولة أخرى في الشرق الأوسط من امتلاك السلاح النووي.
ثمّ أصبح الخطاب منذ مطلع شهر سبتمبر الماضي أكثر اعتدالا، مثل تصريح إيهود باراك في وسط ذلك الشهر بالقول: «إن إيران لا تشكّل تهديدا بالنسبة لوجود إسرائيل».
وتفسير آخر قد يمكن التفكير فيه. وهو أن هناك خلافا داخل إدارة أوباما حول الملف الفلسطيني، وتحديدا بين الرئيس ووزيرة خارجيته كلينتون، المعروفة بانحيازها الشديد لإسرائيل، والتي «تعمّدت» الإعلان عن تصريحاتها في تل أبيب، مع إدراكها أنها لن تُرضي الرئيس أوباما.
لكن الأهم من هذا هو ربما أنها تنوي بذلك التحضير المبكّر للانتخابات الرئاسية الأميركية القادمة، انطلاقا من تل أبيب، ومنذ الآن. فهل هناك تباين في «الخطاب» فقط أم في المواقف أيضا بين الرئيس الأميركي ووزيرة خارجيته؟ المستقبل القريب سوف يبيّن ذلك.
في كل الحالات، يبدو أن وعود أوباما للفلسطينيين كانت، للأسف، مجرّد سحابة صيف في سماء السياسة الأميركية.
كاتب سوري ـ باريس
