جاء اعتراض قوات كوماندوز إسرائيلية لسفينة مدنية متجهة إلى سوريا، وبغض النظر عن حمولتها، ليشكل عملاً من أعمال القرصنة وانتهاكاً للقانون الدولي، يصب في نهاية المطاف لمصلحة تشريع الإرهاب وتوسيع دائرته، وزعزعة استقرار المنطقة والعالم بأسره، في الوقت الذي تباهت فيه أجهزة الأمن الإسرائيلية بعملية القرصنة، معتبرة إياها وكأنها مجرد «تطبيق للقانون» بالقوة الإسرائيلية في عرض البحر.

ففي عملية القرصنة بحق السفينة «فورنكوب» تجرأت إسرائيل للمرة الألف على القانون الدولي، وابتعدت سفنها العسكرية لعمق المياه الدولية، لتعتدي على سفينة مدنية، واقتادتها إلى ميناء أسدود جنوب فلسطين المحتلة عام 1948، وهي تنوء بحمولتها من البضائع المتجهة إلى سوريا، عندما كانت في المياه الدولية بعمق 160 كيلومترا في طريقها إلى ميناء ليماسول القبرصي لتتجه بعد ذلك إلى ميناء اللاذقية السوري.

وبالتأكيد فإن قائمة الأهداف الإسرائيلية من وراء هذه «الخبطة»، كما أسماها بعض المصادر السياسية في تل أبيب، كثيرة ومتعددة. منها ما له علاقة بالتغطية على تقرير ريتشارد غولدستون وإعادة خلط الأوراق بالنسبة للجرائم الإسرائيلية التي اقترفت في قطاع غزة، ومنها ما له علاقة بالتحضيرات الإسرائيلية وصناعة المبررات لشن عملية عسكرية جديدة ضد القطاع.

فالقرصنة الإسرائيلية للسفينة «فورنكوب»، تأتي في سياق استعداد إسرائيل لشن عملية عدوانية جديدة ضد قطاع غزة، للخروج من أزماتها الحالية، وعزلتها الدولية، وتصاعد الكراهية لها عالمياً، بعد مجازرها في قطاع غزة، وإدانتها بارتكاب جرائم حرب من قبل تقرير غولدستون الأممي. ولهذا لن يكون مستبعداً أن تحاول خلط الأوراق من خلال عدوان مزدوج على لبنان وقطاع غزة، لجر سوريا وإيران إلى حرب أكثر اتساعاً.

ومن الأهداف الإسرائيلية لهذه القرصنة، ما له علاقة مباشرة أيضاً بمحاولة إعادة إنتاج أسطورة القوة الإسرائيلية، في سياقات التذكير باليد الطويلة للدولة العبرية، حيث عرضت السيطرة على هذه السفينة المدنية وكأنها عمل بطولي لمحاربيها في عرض البحر! كما جاءت عملية القرصنة هادفة لإحراج إيران أمام المجتمع الدولي، خصوصاً وهي تخوض معركة سياسية صعبة من أجل الدفاع عن برنامجها النووي للأغراض السلمية.

وعليه، فإن حادث سفينة الشحن هذه التي تحمل علم جزيرة أنتيغوا، كان عملاً مدروساً ومحبوكاً بعناية، حين قامت البحرية الإسرائيلية بتنفيذ عملية قرصنة علنية في المياه الدولية، تحت سمع وبصر، وربما مشاركة، البحرية الأميركية وأساطيل حلف شمال الأطلسي، خصوصاً وأن مياه البحر الأبيض المتوسط كانت تشهد واحدة من أضخم المناورات البحرية والصاروخية الأميركية الإسرائيلية، التي شاركت فيها عشرات القطع الحربية من الأسطول السادس الأميركي، فضلا عن سلاح البحرية الإسرائيلي.

وقد سعت إسرائيل من خلال عملية القرصنة الموصوفة هذه، إلى التغطية على النقاش الدولي حول تقرير غولدستون، وحاولت جعل استيلاء قراصنتها على ما قالت إنه سفينة أسلحة إيرانية موجهة لحزب الله، إلى نصر عسكري وسياسي على إيران وسوريا، وأطلقت حملة دبلوماسية وإعلامية واسعة على طهران ودمشق، عكست إلى حد بعيد المخاوف الإسرائيلية من حدوث توافق غربي مع إيران، لا سيما حول ملفها النووي.

وما يؤكد أن عملية القرصنة تم تركيبها وفبركتها بعناية، هو وجود حالة من التضارب والارتباك في التصريحات الإسرائيلية حول حمولة السفينة، فبعد القول بأنها كانت تحمل أكثر من 500 طن من العتاد العسكري، عادت المصادر الإسرائيلية نفسها في اليوم التالي للقول بأن السفينة كانت تحمل بضع عشرات من الأطنان من الأسلحة وبينها أكثر من ثلاثة آلاف صاروخ وقذيفة، وفي وقت لاحق جرى تدقيق هذه المعطيات، حيث قيل إنه تم ضبط 300 حاوية على ظهر السفينة، وأن تفتيش حوالي نصفها أظهر وجود 36 حاوية فقط تحوي أسلحة.

إن غياب الفعل العربي، وحتى رد الفعل النظري واللفظي، وغياب استراتيجية عربية موحدة، وإسقاط جميع الخيارات الردعية، أدى إلى تشجيع هذه العربدة الإسرائيلية وتغوّلها إلى هذا الحد!

كاتب فلسطيني ـ دمشق

bdwan60@aloola.sy