فيما يقرر الرئيس الأميركي بارك أوباما ما إذا كان سيبعث بالمزيد من القوات إلى أفغانستان، يتعين علينا أن نتذكر أن الجانب الأعظم من التشاؤم التقليدي في ما يتعلق بذلك البلد، ما هو إلا نصف حقيقة.
هل تتذكرون القول السائد إن أفغانستان «مقبرة الإمبراطوريات»؟ حيث وصل الإسكندر الأكبر، والبريطانيون في القرن التاسع عشر، ثم السوفييت قبل ثلاثة عقود، بصورة حتمية إلى طريق مسدود.
وفي حقيقة الأمر، فإن الإسكندر الأكبر قد غزا معظم أجزاء «باكتريا» والمناطق المجاورة لها، والتي تشمل أفغانستان حاليا.. وبعد وفاته أصبحت أفغانستان جزءا من إمبراطورية مستقلة.
وبعد قرون عدة، وقعت قوات محدودة يقودها البريطانيون ومعهم مدنيون، في كمين قاتل، وسقط في صفوفهم الكثيرون من الضحايا في الحرب الأفغانية الأولى. ولكن البريطانيين لم يهزموا في الحربين التاليتين في أفغانستان، في الفترة من 1878 إلى 1919.
وقد تخلى السوفييت في عام 1989 عن جهودهم التي استمرت تسع سنوات لإنشاء دولة أفغانية شيوعية عازلة. ويرجع ذلك إلى أن العالم العربي والولايات المتحدة وباكستان والصين، قد وحدوا جهودهم لإمداد المقاومة الأفغانية بمساعدات كبيرة، بما في ذلك أحدث الأسلحة المضادة للدبابات والطائرات.
لقد كان الأفغان مقاتلين شديدي الضراوة من خلال المقاومة، وجعلوا احتلال بلدهم شيئا صعبا.. إلا أنهم نادرا ما أوقعوا هزيمة بعيدة المدى في صفوف الغزاة، بدون مساعدة خارجية. وهناك العديد من الأساطير الأخرى التي تتعلق بأفغانستان.
ولكن.. هل أفغانستان دولة لا يمكن حكمها؟ إنها في هذا الصدد ليست أكثر اتصافا بهذه الصفة من الدول الأخرى الواقعة في هذه المنطقة من العالم. وبعد تأسيس الدولة الحديثة عام 1919، تمتعت أفغانستان بتتابع مستقر نسبيا، من جانب الملوك الدستوريين الذين جلسوا على عرشها حتى عام 1973. وكانت البلاد في وقت من الأوقات تعتبر بصفة عامة، آمنة ومتسامحة ومضيافة في ما يتعلق بتعاملها مع الأجانب.
ولكن، هل أبعدنا عيوننا حقا عن «الحرب الجيدة» في أفغانستان، لنخوض غمار حرب اختيارية في العراق؟
ليس الأمر كذلك تماما.. فبعد حملة متألقة للإطاحة بطالبان عام 2001، واجهت حكومة حامد قرضاي المستقرة نسبيا، قدرا محدودا من العنف حتى عام 2007. وفي السنوات بين 2001 و2006، لم يلق أكثر من مئة جندي أميركي مصرعهم في عام واحد من هذه الأعوام.
وفي حقيقة الأمر، فإن الخسائر الأميركية زادت بعد أن عمّ الهدوء العراق، مع قيام العناصر الإسلامية التي هزمت في الأنبار في العراق، بإعادة تركيز جهودها على مسرح العمليات الأفغاني. فهل أفغانستان هي فيتنام أخرى؟
إنها ليست كذلك. ففي السنوات الثلاث الدامية الممتدة من عام 2007 إلى الآن، تكبدت الولايات المتحدة خسائر بلغ إجماليها 553 قتيلا، وهو أمر مأساوي، ولكنه يشكل أقل من 5,1% من الـ 58 ألفا و159 أميركيا الذين قتلوا في فيتنام.
والأمر المذهل.. هو قدرة المؤسسة العسكرية الأميركية على إيقاع الضرر في صفوف الأعداء وحماية الحكومة الدستورية وإبقاء خسائرنا في الحدود الدنيا.
إن العسكريين الأميركيين هم الأكثر خبرة في التصدي للإرهاب والحروب المناهضة لرجال العصابات في العالم. والجنرال ديفيد بترويس الذي أنقذ الموقف الأميركي في العراق، يشرف الآن على العمليات في الشرق الأوسط ووسط آسيا. ومساعده الذي يتمتع بخبرة كبيرة، وهو الجنرال ستانلي ماكريستال، هو محارب مخضرم ناجح، شهد أسوأ مراحل القتال في العراق وأفغانستان.
وعلى العكس من عمليات التدخل الأجنبية السابقة، فان هدفنا الذي يحظى بموافقة الأمم المتحدة، ليس إنشاء دولة عميلة، وإنما إقرار حكومة ينعقد الإجماع عليها، وتستطيع أن تدافع عن نفسها ضد طالبان والقاعدة، وتمنع المزيد من الضربات ضد الولايات المتحدة.
وخلافا للوضع في ما يتعلق بقرار بوش الذي لم يحظ بالشعبية، والقاضي بزيادة كبيرة في القوات الأميركية في العراق، فإن الرئيس أوباما لا يواجه معارضة سياسية مناوئة داخل الولايات المتحدة. والكثيرون في أميركا لم يحددوا موقفهم من الحرب في أفغانستان، وبالتالي لم يعلنوا معارضتهم لاستمرارها.
ولسوف يدعم الجمهوريون في الكونغرس جهود إدارة الرئيس أوباما لتأمين أفغانستان، وليست هناك عناصر محافظة تقوم بدور كالذي قام به مايكل مور أو سيندي شيهان. بل إن معظم الديمقراطيين المعارضين للحرب، قد لزموا الهدوء بعد انتخاب أوباما. والقادة الأوروبيون في حلف شمال الأطلسي، يريدون أن تقودهم أميركا إلى النصر.
ما الذي يمنع الرئيس أوباما، إذن، من إرسال المزيد من القوات لتأمين أفغانستان؟
إن ما يمنعه هو في الغالب مشكلات تتعلق بحيرته وعدم حسمه في اتخاذ القرار. وكان أوباما خلال حملته الانتخابية، ينطلق من تأكيد أن الحرب في أفغانستان هي شيء ضروري، وأن الحرب العراقية هي حرب اختيارية. وافترض أن الجبهة الأفغانية التي كانت هادئة آنذاك ستظل كذلك، بينما ينسحب الأميركيون مما ظنه جهدا ميؤوسا منه في العراق.
لقد حدث العكس من ذلك تماما، حيث نجحت زيادة القوات الأميركية في العراق، ولكن الوضع احتدم في أفغانستان.. وهكذا يجد الرئيس الأميركي نفسه، واقعا في فخ خطابه الذي ألقاه خلال حملته الانتخابية.
فقد سجل له التزامه بإيقاع الهزيمة في صفوف طالبان، وتحقيق النصر في «الحرب الضرورية» في أفغانستان. ولكن باراك الآن، هو أحد الفائزين بجائزة نوبل للسلام، وهو لا يريد في ما يبدو الاستمرار في التورط في صراع دموي في أفغانستان.
إن لدى الأميركيين جنودا وقادة عسكريين يتمتعون بالخبرة، ولديهم قضية عادلة ووحدة غربية. وبتعبير آخر، فإن لديهم كل ما يحتاجونه لهزيمة طالبان.. باستثناء قائدهم الأعلى الذي كان واثقا من الانتصار في الحرب، على نحو ما خلال حملته الانتخابية.
أستاذ الدراسات الكلاسيكية والتاريخية في جامعة ستانفورد
