أخيراً اكتملت عملية وضع القطار اللبناني على سكّته. حكومته الجديدة عاكفة على صياغة بيانها الوزاري الأول. بعد أيام قليلة، من المتوقع أن تنال ثقة البرلمان؛ لتباشر مهامها. المجلس النيابي، هو الآخر، يعود إلى دورته؛ بعد قيام الحكومة. وبذلك، تكون المؤسسات الدستورية الثلاث، في مكانها وتحت سقف وفاقي؛ لأول مرة منذ حوالي خمس سنوات.
وعليه، من المفترض أن تكون ماكينة الحكم قد باتت جاهزة. وفي هذه الحال، يكون لبنان أمام تحدّيين:
الأول يكمن في تسيير القطار ودفعه نحو محطاته المرجوّة. والثاني، وهو الأهم، يتمثل في العمل على معالجة الخلل الأساسي والأعطاب التي شكلت جذور الأزمة والأزمات السابقة؛ وبما يكفل عدم تفريخها، من جديد.
التداخل بين الاثنين عميق. كل واحد يغذّي الآخر. المواجهة، ليست بسيطة ولا سهلة. البلد منهك والخلفية مثقلة بالإشكاليات. لكن ثمة فرصة، في الوقت الراهن، لم يعرفها لبنان منذ فترة غير قصيرة.
تضافرت عوامل وظروف، محلية وإقليمية؛ وسمحت بولادتها. اغتنامها ضرورة وطنية، ليس لتسيير عجلة الحكم فقط؛ بل أيضاً من أجل التصدّي للعلة الأساسية التي طالما تحوّل، في ظلّها، كل خلاف إلى مأزق مستحكم؛ وكل أزمة سياسية إلى أزمة حكم أو كادت. والعلّة معروفة ومعترف بها. فليس في لبنان من لا يقرّ بأن المحاصصة الطائفية هي أصل البلية.
حقيقة يشكو منها اللبنانيون. اكتووا بنارها، مراراً وتكراراً. وليس سرّاً أن قواعدها تتقدّم، من خلال تدوير الزوايا، على الدستور. وهنا كان، على الدوام، المدخل إلى دوّامة أزماته؛ التي أوصلته مراراً إلى الاقتتال الأهلي المكلف.
في المرة الأخيرة، الخلفية الطائفية ورواسبها وتعبيراتها السياسية؛ تفاقمت ووصلت في تأزمها إلى حدود إشعال نار الفتنة. الوضع رجع عن حافة الهاوية، في اللحظة الأخيرة.
المؤكد، أن لبنان لا يحتمل العودة، مرة أخرى، إلى تلك الحافة. ولا ضمانة لقطع الطريق على مثل هذه العودة، إلاّ من خلال الإصلاح المطلوب والذي ينتظر التنفيذ، منذ سنوات.
صحيح أن جدول أعمال الحكومة الجديدة، مزدحم بالبنود الضاغطة والمستعجلة. كما أن الوضع ما زال طري العود ويحتاج إلى عناية ومداراة دقيقة. لكن الساحة يسودها خطاب توافقي عام. الفراغ غادرها، بعد أن اجتازت عملية تأليف الحكومة، حقل الألغام؛ بسلام. يعزز من كل ذلك، أن المؤسسات الدستورية الأساسية عادت عجلاتها إلى الدوران، بتناغم ملحوظ.
لحظة، حري بالأطراف اللبنانية التقاطها، قبل أن يحصل في المحيط، ما ينعكس بصورة غير مواتية على الوضع اللبناني ويضيع فرصة؛ لا عذر للجميع لو ضاعت.
