لم تكن المسافة كبيرة بين انهيار الشيوعية في دول أوروبا الشرقية وبين تحلل الاتحاد السوفييتي؛ فالأول حدث عام 1989 ويُرمز له بسقوط سور برلين، والثاني حدث عام 1991 ويرتبط بالتفكك السريع والمهين لدول الاتحاد السوفييتي السابقة. جاء هذا الانهيار والتحلل مفاجئا لكل ترسانة التحليل الاستراتيجي الغربي والأميركي على السواء، كما جاء مفاجئا أيضا لدول أوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي. فلم يكن أحد يتخيل أن يحدث هذا الانهيار والتحلل بالسرعة والطريقة التي تم بها.
ورغم عدم التعرف الدقيق على الأسباب التي أودت بحياة الشيوعية في الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية، بعد إعلانها دينا رسميا في الأول بعد الثورة البلشفية عام 1917، وبعد فرضها قسرا على الثانية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، فإنه توجد مجموعة من الأسباب التي تُجمع عليها الأدبيات السياسية، لعبت دورا كبيرا في تفكيك الإمبراطورية الشيوعية، التي تصدت للولايات المتحدة والغرب لمدة تزيد على أربعة عقود متتالية.
تأتي في مقدمة تلك الأسباب، حالة القمع والقسر التي فرضتها الدول في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي على شعوبها؛ فقد استخدمت هذه الدول أجهزة البوليس من أجل المراقبة اليومية للأفراد ومصادرة أفكارهم النقدية والمضادة للنظام.
واتسم بعض هذه الدول بالشمولية، مثلما كان الحال في الاتحاد السوفييتي السابق تحت قيادة ستالين، والصين تحت سيطرة ماو تسي تونج، وكمبوديا بهيمنة بول بوت، وكوبا بزعامة فيدل كاسترو.
وأدى هذا الوضع الشمولي إلى طغيان الدولة بشكل مطلق، من خلال سيادة العقيدة الماركسية، ووجود جهاز بوليس قمعي وقوي، وسيطرة الحزب الواحد، والهيمنة على الاقتصاد ووسائل الإعلام المختلفة.
ولم تقف هيمنة الدولة فقط عند مراقبة الأفراد والجماعات وقمعها، بل اتجهت أيضا وجهات أخرى، من أجل تحقيق النموذج الشيوعي المثالي القائم على حلم المساواة والعدل الاجتماعي. فالدول التي انتهجت الشيوعية، أرادت أن تقضي على كافة أشكال عدم المساواة والتفاوت الاجتماعي والتخلص من المشكلات والأمراض الاجتماعية المختلفة، مثل الجريمة والتفكك الأسري وتعاطي الخمور.
وكان الهدف النهائي للنموذج الشيوعي يرمي إلى القضاء على الاستغلال، والصراع بين الأفراد والمجتمع أو بين المصالح الشخصية والمصالح العامة.
وهنا يبرز أكثر الأسباب التي أثرت بدرجة كبيرة على انهيار النموذج الشيوعي، وهو التعارض الكبير بين المثال والواقع، أو بين النظرية والتطبيق. فقد كان المثال رائعا وإنسانيا، لكنه كان يوتوبيا يصعب تحقيقه بين أفراد لديهم أهواء ونزعات ومصالح مختلفة ومتعارضة، كما أن الأحزاب الشيوعية من خلال الصفوات الحاكمة، لم تقدم نموذجا للمساواة والعدل الاجتماعي يُحتذي به بين عموم الأفراد والمواطنين.
فقد انتشر الفساد بدرجات هائلة، وضرب العفن أركان النظم الشيوعية المختلفة. وهو أمر أدى بالبعض إلى التأكيد على أن سقوط الشيوعية منذ 20 عاما، لم يكن فشلا اقتصاديا وسياسيا فقط، بل كان فشلا أخلاقيا أيضا.
فتدخل الدولة الكلي في شؤون الاقتصاد والسياسة وتحملها كافة الخدمات الاجتماعية نيابة عن الأفراد، بقدر ما ساعد على استمرار النظم الشيوعية لمدة تزيد على أربعة عقود، بقدر ما أودى في النهاية بحياة هذه النظم، من خلال تردي نوعية الخدمات المقدمة وتهاوي الاقتصاد، وسيادة الفساد والرشوة والاستغلال.
كما أن المقولات التي كانت ترددها الأحزاب الشيوعية، لم تعد تُجدي فتيلا في ظل تعرف مواطني الدول الشيوعية على أوضاع البشر في الغرب وأميركا، وعلى مدى التدهور والفقر الذي يواجهونه. فقد اكتشف العمال أنهم لم تكن لهم أية سيطرة حقيقية وفعلية على وسائل وعلاقات الإنتاج، مثل تلك التي يتمتع بها نظراؤهم من العمال في المجتمعات الرأسمالية.
وقد ساعد على توسيع دائرة الإدراك والفهم للعمال وكافة الشرائح السكانية الأخرى في الدول الشيوعية، ما قامت به أجهزة الإعلام الأميركية والغربية من بث دائم ودعاية محرضة ضد الشيوعية، على مدى عقود طويلة متواصلة.
كما أن سياسات الإصلاح المختلفة التي قام بها جورباتشوف والتي يُطلق عليها «الجلاسنوست»، كانت أحد العوامل التي ساعدت على سقوط الشيوعية، وبشكل خاص إطلاق حرية التفكير والنقاشات العامة، والنيل من شرعية النظام، من خلال فضح عيوبه واختلالاته والمقارنة بينه وبين الغرب وأوضاعه المختلفة.
يبقى في النهاية أمران على قدر كبير من الأهمية، يرتبطان بمرور عشرين عاما على سقوط سور برلين. يتعلق أولهما بكون نهاية الشيوعية في الاتحاد السوفييتي ودول شرق أوروبا، لا يعني بحال من الأحوال النهاية الكونية لها.
فما زال العديد من حركات التغيير في أميركا اللاتينية وغيرها من مناطق العالم، تستلهم رحابة الماركسية وأطرها القائمة على المساواة والعدالة الاجتماعية.
ويرتبط ثانيهما بكون سقوط الشيوعية في الاتحاد السوفييتي نفسه لا يعني نهايتها، فما زال الروس يتحسرون على تلك الأيام التي كانت توفر فيها الدولة الخدمات الاجتماعية المختلفة بشكل أفصل بكثير مما يجدونه الآن، كما أن الأزمة المالية العالمية الراهنة أثارت الكثير من الانتقادات للنظم الرأسمالية، التي كانت تتصور نفسها بمنأى عن أي انتقاد.
كاتب مصري
