هل هو انشقاق داخل اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، ينبئ ببوادر تمرد على إسرائيل وعلى الوشيجة الأميركية الإسرائيلية التي تجعل القوة العظمى رهينة للدولة اليهودية؟

الحديث عن تنظيم يهودي جديد أعلن عن نفسه الأسبوع المنصرم في العاصمة واشنطن. فعلى مدى عقود زمنية متصلة، ظل الاعتقاد السائد في المسرح السياسي الداخلي الأميركي، هو أن اللوبي اليهودي الأوحد يتمثل في ما يطلق عليه «لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية»، التي تعرف اختصارا باسم «إيباك» التي تمارس نفوذاً رهيبا على السياسة الخارجية للولايات المتحدة، بما يجعل أمن إسرائيل وحمايتها وضمان بقائها القوة الإقليمية المتفوقة في منطقة الشرق الأوسط، المرجعية الوحدانية للتحرك الدولي الأميركي دبلوماسيا وعسكريا.

اللوبي اليهودي الجديد يطلق عليه «جي ستريت»، والمعنى هو «الشارع اليهودي». والآن ومع إعلان ظهوره فإنه يمثل منافسا لإيباك، أو هكذا بدا الأمر!

وفي كل الأحوال فإن خروج «جي ستريت» إلى حيز الوجود، جدير بأعلى درجات الاهتمام العربي.

جرى الإعلان عن «جي ستريت» (ت-َُّّْممُّ) في احتفال كبير في واشنطن، دعيت إليه 1500 شخصية غالبيتهم يهود أميركيون أو من إسرائيل. فلم يكن الأمر مجرد احتفال تدشين، وإنما كان المؤتمر السنوي للتنظيم. وفي سياق المؤتمر نهض رئيس التنظيم «جيرمي بن عامي» معلنا أن الهدف الأكبر للتنظيم، هو السعي بقوة لتحقيق معادلة «حل الدولتين» (الفلسطينية والإسرائيلية)، بحيث تنشأ الدولة الفلسطينية على أساس حدود ما قبل عام 1967، على عكس ما تدعو إليه إيباك التي تتبنى الطرح الإسرائيلي الذي يقضي بعدم إعطاء الشعب الفلسطيني دولة كاملة السيادة والاستقلال.

ورغم أن الوقت لا يزال مبكرا لإصدار حكم تقييمي تجاه «جي ستريت» من وجهة النظر العربية، إلا أن هناك مؤشرات جديرة بالتأمل.

من أبرز هذه المؤشرات تغيب السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة عن حضور الاحتفال بتدشين التنظيم، فقد رفض تلبية الدعوة.

وعندما كان التنظيم في طور النشوء قبل نحو عام، شنت إسرائيل هجومها الوحشي على قطاع غزة عند نهاية العام الماضي وبداية العام الحالي، فبادرت قيادة التنظيم إلى إدانة الهجوم مطالبة القيادة الإسرائيلية بوقفه. وذهب التنظيم أبعد من ذلك، عندما صدر تقرير المحقق الدولي ريتشارد غولدستون الذي اتهم إسرائيل بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، فقد أيدت قيادة التنظيم هذا التقرير الدولي.

هناك مؤشرات من نوع آخر على الصعيد الإعلامي داخل الولايات المتحدة، تتمثل في مقالات صحفية بالغة الصراحة بأقلام عدد من أشهر المحللين السياسيين من اليهود الأميركيين. وأبرز هؤلاء ثلاثة هم: مارك بيري وهنري سيغمان ورودجر كوهين.

في مقالة نشرت قبل نحو أسبوعين، تساءل مارك بيري: لماذا ترضخ السياسة الخارجية الأميركية لإسرائيل؟ واستطرد في هذا التساؤل قائلا إن في وسع الولايات المتحدة أن ترسل أسلحة متقدمة أو غير متقدمة إلى دولة عربية حليفة، لكن بشرط ألا تهدد الأسلحة أمن إسرائيل. وفي وسع مسؤولي وزارة الخارجية الأميركية عقد اجتماعات مع مسؤولي السلطة الفلسطينية، لكن عليهم في هذه الحالة أن يستأذنوا الحكومة الإسرائيلية.

ويمضي بيري في تساؤلاته فيقول: «ماذا عن إيران؟ فالمسؤولون الأميركيون منهمكون في محادثات مع الإيرانيين، ليس بسبب أن إيران قد تلقي بقنبلة نووية على نيويورك، وإنما لأنها قد تلقي بالقنبلة على تل أبيب».

ولم يكن هنري سيغمان أقل صراحة من مارك بيري. ففي مقالة نشرت بصحيفة «هيرالد تربيون» كان استخلاصه النهائي هو أن أي رئيس أميركي لن يستطيع تحقيق تسوية عادلة للصراع العربي الإسرائيلي ما لم تتوفر لديه الجرأة والجسارة بأن يقول لإسرائيل: لا!

رودجر كوهين انتقد الزعامات السياسية الإسرائيلية قائلا إنه ليس بوسعهم مواصلة نهج الابتزاز على الإدارات الأميركية بالعزف على وتر «المحرقة» اليهودية. وفي نهاية المقالة تساءل: إلى متى تمضي الولايات المتحدة في التضحية بمصالحها القومية العليا من أجل إسرائيل؟

جميع هذه المؤشرات لا يجوز بالطبع اعتبارها «ثورة» نابعة من داخل المعترك السياسي الأميركي ضد إسرائيل. لكن من الممكن ان تتطور الى مستوى تيار سياسي قوي وجارف ضد النفوذ اليهودي في الداخل الأميركي بما قد يؤدي الى تحرر مؤسسة السلطة الأميركية من التأثير الصهيوني النافذ. غيران مثل هذا التحول الخطير يبقى رهينا بتحرك عربي ديناميكي في هذا الاتجاه لاستغلال بوادر التذمر السياسي الذي تعكسه المؤشرات السابق ذكرها.. خاصة إذا أضيف إليها مؤشرات مماثلة على الأفق الأوروبي نذكر منها ما يلي:

- نشر تحقيق صحفي في صحيفة سويدية عن تجارة أعضاء بشرية من أجساد فلسطينيين يتورط فيها قادة إسرائيليون.

- قرار جامعة نرويجية بمقاطعة إسرائيل أكاديميا.

- خروج تركيا من التحالف الاستراتيجي مع إسرائيل مع دخولها في علاقة تحالفية بديلة مع سوريا.

وبعد.. فإن من العجيب الغربي سكوت وسكون الدبلوماسية العربية والقيادة الفلسطينية وكأن هذه الأحداث ذات الدلالة تقع في كوكب آخر.

كاتب صحافي سوداني