لا أحد يعلم مصير الحياة النيابية في الكويت، التي هي قاب قوسين أو أدنى من «يوبيلها الذهبي»، ولا أحد يستطيع أن يتنبأ بما ستؤول إليه التجربة الديمقراطية فيها، والتي مرت بتعرجات في عقودها التي تجاوزت الأربعة.

أما ما يعلمه الجميع حق المعرفة وما يوقنونه، فهو أن مجلس الأمة الكويتي في وضعه الحالي لن يستمر، بل لن تستمر الحياة النيابية بالطريقة التي تسلكها منذ سنوات! وهذا الاعتقاد شبه الجازم يدخل الحبور واليأس في نفوس قطاع كبير من مثقفي الكويت وشعبها، الذين يرون أن يدهم مغلولة أمام ما يحدث وكأنه قدر محتوم لا راد له!

ولعل آخر تلك الحوادث ما وقع في جلسة مجلس الأمة الذي عقد في الرابع من الشهر الجاري، حينما اتهم أحد النواب الإسلاميين (القبليين) والمحسوب على تيار «الإخوان»، رئيس الوزراء الكويتي الشيخ ناصر المحمد بدفع مبلغ كبير لأحد أعضاء مجلس الأمة السابقين، مما عده شراء للذمم وتدخلاً في العملية الانتخابية.

ثم لم يكتف النائب بذلك، بل رفع على الملأ صورة عن الشيك عالياً ليراه الجميع! وقد «كهرب» تصرف النائب ذاك جو الجلسة، وألقى بظلال قاتمة على علاقة السلطتين التي كان الجميع يتطلع أن تكون إيجابية لتمرر كثيرا من المشاريع الكبرى، التي ما زالت حبيسة أدراج الوزارات، والتي تمثل مشاريع حيوية بالنسبة لمستقبل الكويت.

وفجر هذا «الشيك المصرفي» تساؤلات عدة، لعل أبرزها ثلاثة:

أولها، حدود الحرية المسموح بها للنائب، حيث يقول البعض ومنهم «التكتل الشعبي» الذي يتزعمه رئيس مجلس الأمة السابق العضو أحمد السعدون، إن تلك الحرية مطلقة استناداً إلى المادة 110 من الدستور الكويتي التي تنص على أن: «عضو مجلس الأمة حر في ما يبديه من الآراء والأفكار في المجلس أو لجانه، ولا تجوز مؤاخذته عن ذلك في أي حال من الأحوال».

وبين رأي المحامي الخاص لرئيس الوزراء الكويتي الذي ذهب إلى التأكيد على أن «الحرية الشخصية مكفولة حسب الدستور، كما أن سرية الحسابات مكفولة بالقانون»، وبالتالي فعمل النائب بكشفه لحساب شخصي لرئيس الوزراء لا يندرج تحت الحصانة البرلمانية، إذ فيه إفشاء لأسرار حسابات مصرفية، وهو ما يعاقب عليه قانون النقد وبنك الكويت المركزي.

ثانيها، أن إفشاء أسرار الحسابات المصرفية لعملاء البنوك الكويتية سيضعضع الثقة في تلك البنوك، مما يضر بسمعتها ومكانتها وبثقة المتعاملين معها. ولذلك سارع «بنك برقان».

وهو البنك الذي صدر عنه «الشيك»، إلى نشر إعلان في الصحف الكويتية يبين فيه أن النائب الدكتور فيصل المسلم «قد حصل وبطريقة غير قانونية وغير مشروعة على وثيقة مصرفية سرية يجرم القانون الإفشاء بها»، وأنه «باشر الاستعجال بتشكيل لجان التحقيق والتدقيق لغرض البحث في الموضوع المذكور، وبالتالي تحديد الشخص أو الجهة المتسببة.. لغرض تقديمهم إلى الجهات القانونية المختصة»، وهو بصدد اتخاذ نفس التدابير ضد النائب المذكور.

ثالثها، أن الشيك المذكور، سواء استخدمه النائب للتكسب السياسي أو كورقة في «صراع الأقطاب»، وهو الصراع الذي بات الجميع يتحدثون عنه علناً ويلوكه كتاب «الزوايا» يومياً في الصحافة الكويتية، فإنه لا شك قد فتح الباب لمناقشة «دور المال السياسي» ووجوب كشف «الذمم المالية» لمن يتسلمون مناصب في السلطتين التنفيذية والتشريعية، وهذا مطلب مطروح منذ مدة ويحقق الشفافية.

ولا شك أن قضية الشيك التي تفجرت الأسبوع الماضية، إنما تشير إلى وضع الديمقراطية القلق في الكويت، حيث وصلت الأمور إلى مرحلة الجمود، فكثرت الاستجوابات والتهديد بها لأبسط الأمور، وبعضها مضحك كتهديد أحد النواب باستجواب رئيس الوزراء بسبب تدريس مادة الموسيقى في المدارس، مما يخرج العملية النيابية من دورها التشريعي والرقابي الحقيقي ويحولها إلى «عراك» لا فائدة منه، ويحرف الاستجواب كأداة للإصلاح، إلى وسيلة لدغدغة العواطف والتكسب السياسي. وليس غريباً في هذا الجو ألا تستمر الحكومات الكويتية إلا أشهراً معدودات، وألا تكمل المجالس مدتها الطبيعية وهي أربعة أعوام، منذ عقد تقريباً!

والكل في الكويت يجمع، وبشكل علني وعلى رؤوس الأشهاد، أن ما يجري فيها إنما هو تجليات حادة لصراع وتنافس مرير بين «أقطاب النظام»، تظهر آثاره واضحة في الاستقطابات التي ينحاز فيها أعضاء مجلس الأمة وغيرهم إلى هذا الطرف أو ذاك، وأنه ما لم يوضع حد لمثل تلك الخلافات أو لمثل ذلك التنافس على السلطة، فلن يهدأ بال مجلس الأمة الكويتي الذي أصبح بوصلة ومرآة لذاك الصراع.

وفي ظل هذه الأجواء، لا أحد يستطيع التكهن بمستقبل الحياة النيابية في الكويت، ما لم تظهر حركة شعبية عفوية ضاغطة ترجع الأمور إلى نصابها.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com