لم تكن حركة الإخوان المسلمين، كجماعة وتنظيم سياسي، بالجماعة الطارئة على المجتمع البحريني، فهي تمثل أحد أقدم التنظيمات السياسية المشكلة في البحرين. وهي وإن غلب عليها الموالك العرب في السنوات الأولى لتأسيسها في أربعينات وخمسينات القرن الماضي، إلا أن حضور الشوافع من عرب الهولة بات يمثل أحد سمات هوية الجماعة في عقودها الأخيرة.
وهي ككل جماعات الإسلام السياسي، شكل النشاط الخيري ـ الدعوي واجهتها ونشاطها المعلن، وتوارى بذلك عن أجندتها النشاط السياسي لأسباب كانت تنسب للمعطيات السياسية والاجتماعية والثقافية، التي كانت سائدة في خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي، إلا أن كل ذلك لم يمنعها من أن تعبر عن مواقفها السياسية تجاه قوى تلك المرحلة في الداخل والخارج، وأن تكون لها مواقفها المعادية لنظام الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر في مصر، ومواقف مبهمة من التواجد الإنجليزي في البحرين ومنطقة الخليج العربي.
ولا تختلف الجماعة الإخوانية البحرينية في طبيعة خطابها وفي ممارساتها، عن جل جماعة الإخوان المسلمين في المنطقة العربية. وهي كجماعة ترتبط بفروع الجماعة في الأقطار العربية الأخرى بروابط تنظيمية وشخصية، يجمعها في ذلك ارتباطها بالتنظيم العالمي للإخوان المسلمين.
وتبدو هذه العلاقة واضحة في الأسماء التي تتم دعوتها لأنشطة الجماعة في الإطار المؤسسي الخيري ـ الدعوي أو السياسي. وهي تكوّن مع الحالة الكويتية توأمة تنظيمية ـ سياسية، وإن افترقتا جزئيا من حيث طبيعة العلاقة بالسياق السياسي، أو من حيث المتانة السياسية والفكرية لقياداتها السياسية.
وقد يُفسر هذا جزئيا كثافة الحضور الإخواني الكويتي في الأنشطة الانتخابية لمترشحي الجماعة عام 2006. وقد استنسخت الجماعة الكثير من أساليب العمل والمشاريع السياسية للجماعة الكويتية في عملها داخل وخارج البرلمان. ومع ذلك يبقى لرموز الجماعة في مصر والأردن وسوريا والعراق، أهميتهم في البناء الفكري والتنظيمي للجماعة المحلية.
ولعل تواري الجماعة خلف نشاطها الخيري والدعوي ومعاداتها المعلنة أو المستترة للتنظيمات السياسية الأخرى، من الجماعات اليسارية والقومية وجماعات الإسلام السياسي الشيعي، ولربما كذلك طبيعة خطابها السياسي الذي تنتفي عنه أية نزعة ثورية راديكالية واضحة في ما يتعلق بالسياق السياسي، قد ساعد في أن تحتفظ بتماسكها التنظيمي وأن تكون بعيدة عن أية ضربات أمنية قد تعرضها للضعف أو التفكك أو المنع، كما هو حال معظم فصائل الإسلام السياسي الشيعي والجماعات اليسارية والقومية.
لا بد من القول إنه نتيجة للأخطاء الاستراتيجية الكبيرة لجماعات اليسار القومي وقوى الإسلام السياسي الشيعي، استطاعت جماعة الإخوان أن تحصد مكاسب تنظيمية وأن تفتح لها الأبواب التي مكنت البعض منهم من تصدر مراكز متقدمة في هيكل الدولة، وأن تُحكم سيطرتها على بعض المؤسسات الخدمية، وتُصبغها بصبغتها الإخوانية الصرفة، وأن توظفها لصالح إعاشة جماعتها التنظيمية والمناصرين لها من المحليين والوافدين العرب.
ورغم اليافطة الدينية المعلنة للجماعة، إلا أن سمات التدين لا تبدو على أفرادها كما هي حالة الجماعة السلفية والصوفية والأزهرية، ولربما حتى جماعات حزب الدعوة الشيعي. فالرغبة في الانخراط في الحياة والتمتع بمباهجها، هي السمة الجامعة لقيادات الجماعة في عموم الخليج والمنطقة العربية.
وهي سمة قد أكسبتهم واحدة من أهم صفاتهم في العمل السياسي، ألا وهي البرجماتية والميكافيلية السياسية. بل إن النزوع النفعي المفرط لبعض رموزها، قد شكل علاقة شابها دائما قدر من الشك في صدق النوايا والأهداف، لا تحمله فحسب قوى الإسلام السياسي السني والشيعي وجماعات اليسار القومي، بل إنها السمة التي باتت تعرف بها الجماعة حتى عند بعض من الماسكين بصناعة القرار والسلطة، في داخل مؤسسات الحكم وخارجها في عموم منطقة الخليج العربي (جريدة «البلاد» البحرينية 7/11/2009).
وهي حالة، وإن كانت قد أكسبتهم بعض المكاسب السياسية ولربما الاقتصادية المباشرة، إلا أنها ذات الصفة التي أخرجتهم من الانتخابات البرلمانية الأخيرة وقبل الأخيرة في الكويت، وعقدت من إمكانية نسجهم تحالفات مع الجماعات السلفية والقبلية خارج وداخل البرلمان الكويتي، حتى بات الشارع ينظر إليهم دائما بعين يشوبها قدر من الشك.
وأن اشتراكهم في أي نشاط سياسي لا بد أن يعود عليهم كجماعة تنظيمية والمحسوبين عليها، بقدر من النفع والمصلحة، الأمر الذي قد يجعل منها أحد أهم التنظيمات الإسلاموية القادرة على التحول نحو مزيد من اللبرلة السياسية والقبول بانفصال الدين عن الدولة، كما هي الحالة التركية. ولا شك أن تنظيم الإخوان قد بات يشكل، نتيجة لتحالفاته السياسية والوظائف التي تقوم بها، أحد أهم التجمعات السياسية على الساحة البحرينية.
كاتب بحريني