ما هي الهوية الوطنية وما هي مكوناتها وعناصرها؟ وماذا يعني أن يكون المرء فرنسيا؟ هذا هو الموضوع الذي يشغل بال واهتمام الشارع الفرنسي هذه الأيام، بعد اقتراح قدمه إيريك بيسون وزير «الهجرة والاندماج والهوية الوطنية»، يقضي بتنظيم نقاش وطني عبر موقع الكتروني يطلب من المواطنين المشاركة بآرائهم، حول تعريف القيم الفرنسية والأفكار المتعلقة بالوطنية، ونظرتهم وتصوراتهم حول تنامي وصعود الأقليات في فرنسا.

اقتراح الوزير بيسون آثار مواقف متضاربة في الأوساط السياسية والاجتماعية والرأي العام الفرنسي، بسبب أن انشغالات الفرنسيين هذه الأيام تتمحور حول الأزمة الاقتصادية ومشكلة البطالة التي تقارب ال10، وكذلك الأداء الباهت والضعيف لساركوزي منذ مجيئه إلى الحكم وتدهور شعبيته.

فما هو الدافع لفتح موضوع «الهوية الوطنية» في هذا الوقت بالذات وفي هذه الظروف؟ للتذكير فقط، فقد فشل ساركوزي في إدارة أزمة الضواحي كوزير داخلية سابقا وكرئيس دولة حاليا.

ورغم إسناده منصب سكرتير دولة لشؤون المدينة لابنة الضواحي فاضلة عمارة، فإن «دار لقمان ما زالت على حالها»، وما زالت ضواحي باريس تعاني من التهميش والإقصاء ومختلف أنواع المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. فالضواحي ما زالت غارقة في بؤسها وبطالتها ومشاكلها المتراكمة، فماذا سيقدم لها النقاش حول «الهوية الوطنية»؟

يرى بعض النقاد أن ساركوزي من خلال هذه المبادرة، يسعى إلى تأجيج المشاعر المناهضة والمعادية للمهاجرين في الشارع الفرنسي، لمغازلة أصوات الناخبين في اليمين استعدادا للانتخابات المقبلة.

يبدو أن فرنسا خائفة على مصير هويتها، بسبب العولمة وتدفق وتصاعد المهاجرين من إفريقيا السمراء والدول العربية والآسيوية. وعلى عكس دول عريقة في احتضان المهاجرين، كالولايات المتحدة الأميركية وكندا وأستراليا ونيوزيلندا، فإن فرنسا وجدت عبر عقود من الزمن صعوبات كثيرة في كيفية التعامل مع الأقليات الموجودة على أراضيها، خاصة المسلمة منها. فشباب الضواحي كان يمثل دائما كابوسا للحكومات الفرنسية المتعاقبة، فهو يعاني التهميش والبطالة والفقر وعدم الاندماج في المجتمع الفرنسي، نظرا للمشاكل العديدة التي يعاني منها.

شعارات الحرية والمساواة والعدالة التي تتغنى بها فرنسا، تواجه هذه الأيام تحديات كبيرة جدا في أرض الواقع، حيث تعيش هذه الشعارات تناقضات صارخة، وتعاني من وهم كبير وواقع ما زال لم يقر بأن فرنسا هي مجتمع متعدد الأعراق والديانات والأقليات، شاء من شاء وكره من كره.

فالتاريخ يقول إن رجالا من دول مختلفة، وخاصة مستعمرات فرنسا في شمال إفريقيا والقارة السمراء وغيرها، شاركوا في الجيش الفرنسي في الحرب العالمية الأولى، وساهموا في تحرير المجتمع الفرنسي من النازية والفاشية أثناء الحرب العالمية الثانية. لكن فرنسا اليوم لا تعترف بهذا الجميل، حيث إنها تعامل أبناء وأحفاد الرجال الذين حرروا وأسسوا وشيّدوا، على أنهم أشخاص من الدرجة الثانية والثالثة، وأنه لا يمكنهم بأي حال أن يكونوا فرنسيين!

الرئيس نيكولا ساركوزي في 2007 تكلم عن قانون الهجرة «المختارة»، وهو قانون يتناقض جملة وتفصيلا مع حقوق الإنسان ومع المبادئ التي قامت عليها الثورة الفرنسية. لكن هذا ليس غريبا على فرنسا التي كافأت الجزائريين الذين حاربوا في صفوفها إبان الحرب العالمية الثانية، بقتل 45 ألفا منهم في 8 مايو 1945، عندما خرجوا في مدن قالمة وخراطة وسطيف يتظاهرون طلبا لاستقلال الجزائر.

ففرنسا التي تدعي الحرية والمساواة والأخوة، غير جاهزة وغير مستعدة لقبول الآخر، حيث فشلت في إدماجه رغم مطالبتها له بأن يذوب في المجتمع الفرنسي والثقافة الفرنسية، من خلال سياسة الاندماج التي فرضتها عليه.

فالمتتبع اليوم لما يجري في دولة بحجم فرنسا وتاريخها ووزنها على الساحة الدولية، يلاحظ العنصرية والإقصاء والتهميش والفشل الذريع في عملية إدماج الآخر. فقانون «الهجرة المختارة»، على سبيل المثال، يعبر عن النية الحقيقية لدولة لا تريد إدماج الآخر والاعتراف بالجميل الذي قدمه أبناء مستعمراتها في سبيل تحريرها من النازية والفاشية وفي عملية البناء والتشييد.

قانون الهجرة المختارة وأعمال الشغب التي شهدتها فرنسا في السنوات الماضية وتشهدها من حين لآخر، مؤشرات تعكس أزمة ضمير وأزمة في العلاقات بين الشعوب والأمم والديانات والحضارات.

فرغم التطور المادي والتكنولوجي الذي شهدته البشرية في العقود الأخيرة، ما زالت المنظومة الدولية تعاني من غياب التسامح والتفاهم والحوار واحترام الآخر، بغض النظر عن عرقه ولونه ودينه ومعتقداته.

إن طرح إشكالية الهوية الوطنية والموقف من الأقليات في هذا الوقت بالذات، يعني أن حكومة ساركوزي فشلت في إدارة التعامل الفعال والمنهجي مع المهاجرين بمختلف أطيافهم ومشاربهم. والأمر يتطلب أكثر من موازنات وبرامج، إنه يستلزم تغيير الذهنيات والسلوك إزاء الآخر.

عميد كلية الاتصال، جامعة الشارقة

mokirat@sharjah.ac.ae