يواصل الرئيس باراك أوباما الزئير مطلقا المواعيد النهائية كالأسد، لا لشيء إلا ليعود إلى المواء بشأنها، مثل قطة صغيرة.
دعنا نتذكر، على سبيل المثال، كيف راح يجأر لجموع مؤيديه الذين مضوا يهتفون له، قائلا إنه سيقوم بإغلاق معتقل غوانتانامو في غضون عام.
تنطلق دقات الساعة متتابعة، ويظل معتقل غوانتانامو بعيدا كل البعد عن الإغلاق. وقد كان من السهل في وقت من الأوقات على المرشح الرئاسي أوباما، أن يستنكر هذا «الجولاج» الذي يصر بوش على استمراره. أما الآن فيغدو من الصعب اتخاذ قرار في ما يتعلق بالخيار السيئ، المتمثل في احتجاز مقاتلين إرهابيين لا يرتدون زيا رسميا، والخيار الأكثر سوءا المتعلق بإطلاق سراحهم، أو تقديمهم لمحكمة مدنية، أو ترحيلهم إلى جهات لا يرغبون في الذهاب إليها.
وإذا أوغلنا في العودة إلى الوراء وصولا إلى سبتمبر 2007، فإن المرشح الرئاسي أوباما، قال عن العراق إنه يريد «إخراج قواتنا المقاتلة فورا.. ليس في ستة أشهر أو في عام، وإنما الآن». وهذه «الآن» توحي بالتباهي الأجوف حقا.
وعن العراق أيضا، قال المرشح الرئاسي أوباما إن «الشعب الأميركي نال ما يكفيه من الدوران حول الذات، نلنا الكفاية من المواعيد النهائية التي تمدد إلى توقيتات لا يتم الالتزام بها».
وفي صدد الحديث عن التوقيتات التي لا يتم الالتزام بها والدوران حول الذات، فإننا اليوم لا يزال لنا 120 ألف جندي أميركي في العراق. والسر في تردد أوباما بشأن مواعيده النهائية التي وعد بها، هو أن زيادة القوات في عام 2007 قد أحدثت تأثيرها، حيث تراجعت أعداد القتلى من الجنود الأميركيين، وسيطر الهدوء على مسرح العمليات، ولا تزال الحكومة العراقية في السلطة بعد ست سنوات. ولا يستطيع أوباما الإقرار بهذه الحقائق، ولكنه من ناحية أخرى لا يريد الإقرار بأنه مسؤول عن تقويضها.
وفي يوليو الماضي.. راح أوباما يزأر، في معرض تناول موعد نهائي آخر وشيك، حيث حذر إيران من أنه يتعين عليها أن تبرهن على التزامها ببروتوكولات منع الانتشار النووي بحلول شهر سبتمبر أو تواجه عواقب جديدة، حيث أن الولايات المتحدة لن تنتظر إلى ما لا نهاية.
الآن ها هو ذلك الموعد قد انقضى، وحتى الفرنسيون ضاقوا ذرعا بأن أوباما لا يزال يبدو كما لو كان ملك الأدغال، لكنه يتصرف كما لو كان قطة منزلية أليفة.
والقائمة تمتد بالفعل بلا انتهاء، في ما يتعلق بما يهدد أوباما الميلودرامي بالقيام به أو يعد بفعله، وبين ما يقوم به على الصعيد العملي.
الرعاية الصحية: حذر الرئيس أوباما الكونغرس في وقت من الأوقات من أنه يتعين عليه أن يقر إصلاحا شاملا بحلول عطلته الصيفية في أغسطس، وظل الأميركيون ينتظرون حتى اقر القانون في مجلس النواب (بأغلبية ضئيلة) قبل أربعة أيام فقط.
أفغانستان: هذه كانت في وقت من الأوقات الحرب التي وعد أوباما بكسبها، الحرب التي يتعين علينا أن نركز عليها بعد إبعاد أنظارنا عن العرق. والآن نوجه اللوم فجأة لحكومة قرضاي، التي دامت ثماني سنوات، لكونها ليست الشريك المستقر الذي نحتاجه لهده المهمة.
الإصلاح الأخلاقي: خلال الحملة الانتخابية تعهد أوباما بوضع حد لمن يمارسون الضغوط في الحكومة، وكشف النقاب عن المفاوضات حول الرعاية الصحية.
وباختصار، دعنا نتخيل أن أوباما حذر الكونغرس بأن عليه تمرير الرعاية الصحية في 15 نوفمبر وإلا فعليه أن يتحمل العواقب، أو أمهل إيران حتى بداية العام المقبل للكف عن تخصيب اليورانيوم، أو وعد بإغلاق معتقل غوانتانامو حقا في أول مارس 2010، فهل سيحمله أحد على محمل الجد؟ دع جانبا الشعور بالضيق حيال نتائج تجاهل هذه الوعود!
لقد خاض أوباما غمار الحملة الانتخابية على أساس اتهام بوش بأنه تجاهل المواعيد النهائية لما وعد بالقيام به، ولكن حينما برهن أوباما على أن وعوده جوفاء بصورة أكبر من وعود بوش، فإنه يواجه الاتهام بالنفاق المسرحي.
ولكن هناك مشكلة أكبر من هذا كله.. فالنقاش المحتدم دفع أوباما إلى هذه الأركان الضيقة، وهو في ما يبدو يتوقع أن بلاغته ستتيح له الخروج من هذا المأزق أيضا. وهكذا فإننا جميعا ننتظر المزيد من المؤشرات السحرية المتعلقة بالتغيير والأمل، على نحو ما يوضح أوباما أنه لم يعد قط بالخروج من العراق «الآن»، أو باتخاذ خطوات إضافية ضد إيران في سبتمبر 2009.
وعندما يحل أول يناير 2010 ويمضي، فإنني أتوقع أن الرئيس الأميركي سيقول: «ليس في مقدوري إغلاق غوانتانامو أكثر مما في مقدوري».. والقارئ يعرف يقينا ما سيلي ذلك.
أستاذ الدراسات الكلاسيكية والتاريخية في جامعة ستانفورد