كشفت أحداث الأسبوع الماضي عن ارتباك أمريكي واضح بشأن الملف الفلسطيني، لن ينتهي إلا بقرار صعب يتخذه أوباما شخصيا، يختار فيه بين التمسك بموقفه المبدئي من ملف التسوية، أو التخلي عن إحراز أي تقدم في ذلك الملف من أساسه.
والارتباك الأمريكي كان واضحا في زيارة هيلاري كلينتون للمنطقة، فهي ظلت تقول الشيء وعكسه وتناقض نفسها على مدار الساعة. فأثناء وجودها في إسرائيل وصفت وزيرة الخارجية الأمريكية اقتراح نتانياهو بالخفض المؤقت لوتيرة الاستيطان، الذي تزامن مع إصراره على استثناء القدس من الاقتراح وعلى المضي قدما في بناء 3000 وحدة سكنية في الضفة، بأنه «خطوة إيجابية وغير مسبوقة»! ودعت لاستئناف المفاوضات فورا.
والحقيقة أن ما قاله نتانياهو لا يمكن أن يكون «غير مسبوق»، إلا إذا كان المعيار هو التطرف الإسرائيلي، لا المطلب الأمريكي الأصلي الذي تمثل في تجميد الاستيطان. بل إنه حتى بمعيار التقدم خطوة للأمام أو حتى بمعيار الواقعية الصرف، لا يمكن بداهة اعتبار اقتراح نتانياهو فرصة غير مسبوقة، لأنه يلغي عمليا أية فرصة موضوعية لقيام الدولة الفلسطينية، عبر ابتلاع الأرض المفترض أن تقوم عليها تلك الدولة أصلا.
غير أن الوزيرة فوجئت، على ما يبدو، حين وصلت المغرب، بردود الفعل العربية إزاء تلك التصريحات التي قالتها في إسرائيل، فراحت تستخدم لغة مغايرة، بل وقررت زيارة القاهرة لتأكيد المعاني نفسها التي قالتها في المغرب.
ففي المغرب والقاهرة أكدت كلينتون على أن موقف الإدارة بشأن «عدم شرعية» المستوطنات لم يتغير. وكون الوزيرة قد فوجئت بوقع ما قالت في إسرائيل، يحمل في ذاته دلالة قوية على الارتباك الأمريكي.
أكثر من ذلك، فإن من يؤكد على عدم شرعية الاستيطان، لا يمكنه أن يصف في الوقت نفسه مجرد التخفيف المؤقت لوتيرتها، بأنه عمل «غير مسبوق».
لكن لعل أسوأ ما جاء على لسان هيلاري كلينتون، كان قولها صراحة إن ما اقترحه الإسرائيليون واعتبرته هي شخصيا «غير مسبوق» وإيجابيا، كان «أقل بكثير» مما طالبت به الولايات المتحدة، ولكنه «يظل على الأقل أفضل من البديل الآخر»، وهو لا شيء على الإطلاق.
تحدثت الوزيرة إذن، وكأنها مسؤولة عن السياسة الخارجية في دولة قزم، لا في القوة العظمى الوحيدة ولا الحليف الأقوى لإسرائيل. وكأن الولايات المتحدة دولة صغيرة تستجدى إسرائيل، ولا تملك أية أدوات من أي نوع للضغط عليها، ناهيك عن المعونة العسكرية الضخمة، أو التخلي حتى عن الفيتو الأمريكي الجاهز لإنقاذ إسرائيل من أية إدانة دولية.
والحديث باسم الولايات المتحدة باعتبارها طرفا لا حول له ولا قوة على هذا النحو، إنما يفرغ الدور الأمريكي من محتواه أصلا ويجعله بلا جدوى. فما الذي يدعو العرب للجوء لأمريكا إذن، إذا كانت بهذا العجز أصلا ومستعدة للاستسلام لإسرائيل؟ أليس الحضور الأمريكي في عملية التسوية مبنيا أصلا على فكرة مؤداها أن أمريكا وحدها هي الطرف الذي تثق به إسرائيل والقادر بالتالي على الضغط عليها؟!
لكن زيارة هيلاري كلينتون وتصريحاتها، تزامنت في الواقع مع خبر لافت تناقلته وكالات الأنباء، مؤداه أن أوباما متردد في عقد لقاء ثنائي مع نتانياهو، الذي سيصل واشنطن لحضور مؤتمر اتحاد المنظمات اليهودية لأمريكا الشمالية والذي سيحضره أوباما أيضا. وفي الحقيقة فإن مثل ذلك التردد أمر غير معتاد، خصوصا بالنسبة لرؤساء الوزارة الإسرائيليين في واشنطن، فكيف إذا كان الزعيمان سيحضران أصلا مؤتمرا واحدا؟
بعبارة أخرى، رغم كل ما يقال عن تحسن العلاقة بين إدارة أوباما وحكومة نتانياهو، ورغم أن الاثنين سيحضران المؤتمر نفسه، إلا أن تلك هي المرة الثانية في أقل من عام، التي يطلب فيها نتانياهو لقاء أوباما فيبدي الثاني بعض التلكؤ في الاستجابة.
دلالات كل ذلك، في تقديري، أن إدارة أوباما يتنازعها موقفان، الموقف الأول هو ذلك الذي أعلنه أوباما فور توليه، وحين كان لا يزال في أوج شعبيته، وهو الموقف الذي اعتبر أن إيجاد حل للقضية الفلسطينية «مصلحة أمريكية»، لا فقط مصلحة للأطراف المعنية. ومن هنا كان الإصرار على وقف الاستيطان، لأنه السبيل الوحيد لضمان القدرة على إقامة دولة فلسطينية.
أما الموقف الثاني فهو النكوص والانكفاء إلى المواقف التقليدية التي تبنتها الولايات المتحدة طوال العقود الأخيرة، والتي لا تخرج عن الرضوخ للصلف الإسرائيلي الذي يدعمه اللوبي الإسرائيلي في واشنطن.
والواضح أن إدارة أوباما لم تتخذ قرارا واضحا بعد، فهي تراوح مكانها بين الموقفين. لكن مع مرور الوقت صار تمسك أوباما بموقفه الأول أكثر صعوبة، فهو موقف باهظ التكلفة، خصوصا في المرحلة الراهنة التي انخفضت فيها شعبيته في أمريكا. هذا بينما يبدو الموقف الثاني بلا تكلفة على الإطلاق، بل هو يسمح لأوباما بالظهور بمظهر من يسعى لأن يفعل شيئا في ما يخص القضية الفلسطينية.
غير أن أوباما إذا ما اختار الموقف الثاني، أي العودة للمواقف الأمريكية التقليدية والتظاهر بأن شيئا ما يتم إنجازه، فإنه يكون بذلك يتخذ الموقف الأكثر تكلفة للولايات المتحدة على المدى الطويل. فالمواقف التي كان من الممكن أن يتخذها رؤساء أمريكيون سابقون، دون تكلفة تذكر لأمريكا، صار أمرا مختلفا اليوم.
ففي العقد الثاني من الألفية الثالثة، الوقت هو العملة الصعبة بالنسبة للقضية الفلسطينية، فاستمرار الوضع الراهن معناه التهام الاستيطان لما تبقى من أرض فلسطين، الأمر الذي يعني النهاية الفعلية لحل الدولتين، ووضع العالم كله مع مرور الزمن أمام حل الدولة الواحدة، والذي يعني، بسبب الوضع السكاني على الأرض، نهاية دولة إسرائيل أصلا.
كاتبة مصرية
