أما آن لهذا اليمن العربي أن يستريح من ويلات الحروب؟! وماذا يراد لهذا اليمن؟! الذي طالما اقترن اسمه بالسعادة في مطولات الشعراء والرواة، لكننا لم نشهد هذه السعادة واقعا.
فمنذ أن وعينا على إدراك الأحوال ومتابعة الأخبار، ونحن لا ننفك نسمع عن أخبار التوترات والحروب في تلكم البقعة من العالم العربي، ويوم أن كان اليمن يمنين كانت تصل أخبار الدم المراق بين الرفاق في انقلابات عسكرية، وحروب بين شمال وجنوب، وأزمات سياسية متعددة الجوانب.
ومع إعلان الوحدة، سعدنا لزوال الانشطار لصالح يمن واحد، لكن سرعان ما دب خلاف الصلاحيات والنفوذ بين العليين «علي صالح وعلي البيض» وحسم الصراع لصالح الوحدة، وخرج من خرج وحكم من تمكن من السيطرة على الميدان، مع دفع فاتورة تكلفة متواصلة حتى الآن لإلغاء الحزب الاشتراكي ذي الاتكاء القبلي الجنوبي، مما أصاب نتائج الوحدة في مقتل وبطأ عجلة التنمية المتعثرة أساسا، ولتستمر بعدها الخلافات «القبلحزبية»، ومعها تظهر فجوات أمنية وتمكن فئوي سمح ببروز التطرف الذي عبرت عنه القاعدة في أبشع صوره وأكثرها علانية، خاصة مع وصول أفواج المجاهدين العرب من أفغانستان، حيث كان اليمن وما زال ملاذا لهم، وبالطبع دفع المواطن اليمني فاتورة عدم الاستقرار التي خلقها فكر متطرف في بيئة مسلحة، وفي موقع جغرافي يمكن من خلاله توجيه الشظايا إلى أكثر من اتجاه.
وفي ظل كل هذه المسيرة المرتبكة، التي استعرضناها بعجالة، نصل إلى الواقع الحالي الذي يمثل رأسه الظاهر الحاد الحوثيون وتمردهم المسلح في الشمال، وما يسمى بالحراك الجنوبي المستند إلى هوامش من عدم الرضى السياسي والاجتماعي، والذي لا يمكن الاستهانة به في ظل ما تشهده الساحة اليمنية من أحداث ستساهم بلا شك في زيادة فقدان السلطة المركزية في صنعاء قدرتها على السيطرة على الأوضاع حتى حين.
وما بين يمن سعيد سمعنا عنه، ويمن تعيس نراه ملتحفا بالغمامة السوداء العجفاء، ذات الثقل المتمدد إلى كافة مناحي الحياة، فالحروب لن تسمح بأي تنمية، ومع الاضطرابات السياسية تفتقد الرؤية الشاملة، حيث لا مكان للمجموع العام في ظل الحسابات الشخصية الضيقة، وعندها يسرح ويمرح الفساد السياسي والإداري والاقتصادي، وتستبدل الحكمة اليمانية بغوغائية الاحتراب الحزبي والتعصب القبلي والتشدد الديني، وليظل الاستقرار عصيا ومطلبا صعب المنال.
ويقينا أن اليمن لن يخرج من مصائبه متعددة الوجوه، ما لم تُعد صياغة أساليب التعامل مع القضايا التي تعترض مسيرة الاستقرار، وهذا جانب داخلي محض لا يمكن للخارج أن يؤثر فيه، ما لم يجد اليمنيون صيغة للحوار بينهم تختلف جذريا عما هو سائد على الساحة حتى الآن.
