في اليوم التاسع من نوفمبر 1989 سقط جدار برلين، ومع سقوطه انتهت الحرب الباردة، وتم دفن فكرة معينة عن أوروبا. وفي ذلك الوقت لم يقلب إرهاب تنظيم القاعدة العلاقات الدولية رأساً على عقب، كما أن العولمة الليبرالية لم تكن واضحة بعد. وفي ذلك الوقت أيضاً كان لكل بلد أوروبي عملته الوطنية، أما المواجهة بين الشرق والغرب، فقد خفت حدتها بفضل البريسترويكا التي باشر العمل بها الزعيم السوفييتي السابق ميخائيل غورباتشوف، علماً أن المعسكرين ظلا متواجهين دائماً.
في ذلك الوقت، أي بعد عامين من سقوط جدار برلين 1989، توالت الانهيارات لاحقاً في معسكر «المنظومة الاشتراكية»، فانهار عالم الشيوعية بسرعة مذهلة، مع تفكك الاتحاد السوفييتي السابق، وانهار معه نظام القطبية الثنائية، الذي كانت تتحكم فيه قوتان تمتلكان قدرات وإمكانات ضخمة وكونية الطابع، الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي «الاشتراكي».
وكان عالم الحرب الباردة شهد صراعاً إيديولوجيا حاداً بين الرأسمالية في الغرب التي هي رسالة الديمقراطية المسماة الليبرالية وذات النزعة الفردية، وبين الاشتراكية المشيدة في الشرق التي هي رسالة الديمقراطية الشعبوية الاستبدادية واشتراكية الفقر. ومع انهيار عالم الحرب الباردة الثنائي القطبية، تحققت تنبؤات الرئيس الأميركي الراحل ريتشارد نيكسون التي عنونها في كتابه «نصر بلا حرب»، حيث انتصرت الرأسمالية الليبرالية والديمقراطية الغربية على خصمهما، الاشتراكية المشيدة التي أنتجت الأنظمة التوتاليتارية.
ومع سقوط جدار برلين، فتحت مرحلة جديدة في بلدان أوروبا الشرقية التي خلعت سترة الشيوعية الخانقة للحريات، ولبست محلها الديمقراطية الليبرالية. فتوحدت ألمانيا، وساد شعور بالاغتباط لدى شعوب أوروبا الشرقية خلال المرحلة الانتقالية السلمية، التي شهدت تغييراً في الأنظمة الاقتصادية والسياسية، عبر إحلال الملكية الخاصة، والاندماج التدريجي في الفضاء الأوروبي.
ما بين9 نوفمبر 1989، و9 نوفمبر 2009، مرّ عقدان من الزمن، أما التقييم لهذه المرحلة فيظل ملفتاً للنظر، إذا ما أخذنا في عين الاعتبار التحديات التي واجهت البلدان الأوروبية، ولا سيما في شرق القارة. ولا تزال هذه المرحلة الانتقالية تثير الانقسام السياسي في صفوف الباحثين في العلوم الاجتماعية. فهناك تيار أول لا يستوقفه تعليل الحوادث وتفسيرها، على قدر الاعتناء بتقييم مبلغ الديمقراطية الذي بلغته هذه البلدان في انتقالها من نظام إلى نظام. وهناك تيار ثانٍ يترك التقييم قياساً على مثال الديمقراطية الليبرالية، وينصرف إلى تعليل الحوادث في ضوء تراث الماضي ومخلفاته.
وفي عبارة موجزة، يحمل التيار الأول 1989 على أنها مرحلة تأسيس، ويقلل الثاني صفة «الانقطاع». ومهما كان من أمر التأويلين، ينبغي ألا نغفل عن دور الاحتمال في انهيار الشيوعية، وفي سيرورة البناء الديمقراطي، معاً.
وفي ضوء هذا الدور، يبدو تاريخ الانقلاب من الشيوعية إلى الديمقراطية في بداياته الأولى، حسب تحليل الأستاذ في العلوم السياسية والباحث الفرنسي جيروم هيرتو، في مقالته المنشورة في صحيفة لوموند الفرنسية (16/10/2009).
أما في أوروبا الغربية، فينظر إلى سقوط جدار برلين بوصفه اللحظة التاريخية التي مكنت القارة الأوروبية من تحقيق وحدتها على قاعدة الديمقراطية الليبرالية واقتصاد السوق. فأوروبا الفيدرالية التي صاغها الأب المؤسس للوحدة الأوروبية جان مونيه في خمسينيات القرن العشرين، والتي انتقلت من مجموعة البلدان الستة إلى البلدان ال15، وأخيرا إلى البلدان ال27، أصبحت حقيقة منجزة.
فعلى الورق، أوروبا تقدمت من خلال اعتمادها اليورو كعملة موحدة، وإضفاء المزيد من السلطات للبرلمان الأوروبي. لكن في الرؤوس، لا تزال أوروبا لم تقر بصورة نهائية معاهدة لشبونة. فهي لم تهضم بعد عملية التوسع، من جراء الضغط الديمغرافي:
500 مليون نسمة أولاً، والفضاء الجغرافي: 4 ملايين كيلومتر مربع ثانياَ، وتعدد الهويات ووجود ثلاث وعشرين لغة تتكلم بها الشعوب في القارة الأوروبية، ثالثاً. عقدان من الزمن بعد سقوط جدار برلين، لا يشكلان شيئاً كثيراً بالنسبة للقارة الأوروبية وتاريخها الذي يعود إلى آلاف السنين، سوى أن هذين العقدين الأخيرين يعتبران استثناء حقيقياُ في سيرورة التوحد الأوروبية.
كاتب تونسي