من كان يتوقع أن توقيع الرئيس التشيكي فاتسلاف كلاوس على اتفاقية لشبونة، سيذلّل آخر العقبات الماثلة أمام مشروع التكامل الأوروبي، ستخيب آماله حتما. فبالرغم من أن هذا التوقيع سيسهّل عملية إطلاق الاتفاقية المذكورة من جانبها التنفيذي ـ القانوني، إلا أنه لن يساهم حتما في إثبات ما يدّعيه كثيرون في أوروبا، بخصوص وجود إجماع حقيقي حول ما آل إليه مشروع التكامل آنف الذكر.

ولعلّ الموضوع الخلافي لم يعد محصورا كما كان سابقا، بين معسكر الدول الجديدة التي تهافتت للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بعد انتهاء الحرب الباردة، وآخر يضم بعض الدول القديمة التي كانت تشكك في المشروع أساسا، حيث أن الانتماء الإيديولوجي اللاحق قد أزال الحدود الجغرافية التي كانت قائمة، ليجعل منها حدودا فكرية قد تكون، حسب رأي كثيرين، أكثر خطورة وتعقيدا.

وهنا يبرز بكل تأكيد الدور الأساسي الذي يلعبه المحافظون الأوروبيون، وفي مقدّمتهم حزب المحافظين في بريطانيا، لكن أيضا مجموعة من التيارات الفكرية والأحزاب السياسية التي تدور في فلكه من الناحية الإيديولوجية، ومنها تلك التي ينتمي إليها الرئيس فاتسلاف كلاوس وكثيرون من أعضاء الحزب المدني الديمقراطي الذي أسّسه، لكن أيضا مجموعة من الأحزاب والتيارات في بولندا والمجر وغيرهما.

كلاوس وقّع على مضض، لأنه استنفد جميع الأدوات القانونية التي كان بإمكانه الاعتماد عليها لممارسة الإعاقة والمماطلة، ولم يخجل من التعبير عن موقفه بكل وضوح وشجاعة، قائلا: «ابتداء من هذه اللحظة، فقدت بلادنا سيادتها».. قال ذلك في مؤتمر صحافي مقتضب، متعمّدا ارتداء ربطة عنق سوداء، لكي يضفي على الموقف بعدا حزينا ومأساويا.

لكن ماذا يمكن أن نتوقع خلال المرحلة المقبلة في خضم نشوة الانتصار التي يعبّر عنها بشكل واضح مناصرو عملية التكامل بشكلها الحالي؟ وهل نحن أمام هزيمة حقيقية لأنصار الفكر المحافظ الراغبين في نقض هذه الاتفاقية بأي ثمن ممكن، أو على الأقل إجراء بعض التعديلات عليها؟

يبدو من تطورات الساعات والأيام القليلة الماضية، أن المواجهة ستأخذ بعدا جديدا، سيضفي على الخارطة السياسية الأوروبية لونا معيّنا من التوتر غير واضح المعالم بعد. فرئيس المحافظين البريطانيين دافيد كاميرون، ذكر بصراحة أن حزبه لن يسمح من اليوم فصاعدا بنقل السلطة من بلاده إلى المركز الأوروبي المستقبلي في بروكسل، دون إجراء استفتاء شعبي.

هذا يعني، وفق التفسيرات التي صدرت لاحقا، أن الحزب المذكور سيصر، في حال فاز بالحكم في الانتخابات المقبلة، على تفضيل القوانين المحلية ومنحها قيمة قضائية أكبر من تلك الأوروبية. وفي ذلك بالطبع تحدٍّ كبير لاتفاقية لشبونة التي تدعو لتوحيد القوانين في معظم القطاعات، باستثناء تلك التي حصلت بعض الدول على امتيازات خاصة بشأنها، ومن ضمنها بريطانيا (حقوق الإنسان والقوانين الجنائية على سبيل المثال).

وبالرغم من أن حزب المحافظين لم يحدّد موقفه المثير للخلاف ضمن وثيقة قانونية رسمية، تساهم في استيعاب تصرّفه المستقبلي إذا استلم السلطة في بريطانيا، إلا أن هذه التصريحات تسببت على الأقل في رفع درجة التوتر داخل الحظيرة الأوروبية، وقلّلت من نسبة التفاؤل التي سادت مباشرة بعد توقيع الرئيس التشيكي على اتفاقية لشبونة. بمعنى آخر، فإن هذه التصريحات ساهمت حتما في توضيح صورة الوضع القائم، والذي لا يبدو زهري اللون كما قد يتصوره البعض، بل مفتوحا على مصراعيه أمام تطورات سياسية في غاية الدقة.

لعلّ أفضل انعكاس لحالة الاستياء من الموقف البريطاني المحافظ، هو ما صدر عن بعض السياسيين في فرنسا الذين وصفوا الخطة الجديدة المزمع تنفيذها في المستقبل بـ «البائسة»، لأنها ستقلل من حجم التأثير البريطاني في دوائر صنع القرار الأوروبي في بروكسل، وستضع لندن في عزلة أوروبية هي في غنى عنها، كما قال وزير الدولة للشؤون الأوروبية بيير لولوش.

تصريح خالٍ من اللباقة الدبلوماسية الفرنسية المعهودة، لكنه يعكس على ما يبدو حالة الإحباط القائمة لدى البعض، والتي ـ كما ذكرنا سابقا ـ ستؤشر لتطورات جديدة على الخارطة السياسية الأوروبية.

هذا على الصعيد البريطاني، فماذا على الجبهة التشيكية التي شكّلت آخر قلاع «المواجهة» ضد اتفاقية لشبونة؟

يبدو أن كلام الرئيس كلاوس عن فقدان السيادة وإصراره على توقيع اتفاقية لشبونة في مكان مظلم من قصره، دون أية مظاهر احتفالية كما فعل نظراؤه الأوروبيون، قد اختصرا بعضا من معالم المواجهة المقبلة، التي ستميّز تحرك كلاوس والقوى المتعاطفة معه خلال المستقبل القريب.

ولا شك أن كلاوس قد مهّد لذلك التحرك من خلال جملته الشهيرة التي ذكرها في مؤتمره المقتضب بعد التوقيع، وقال فيها «إن هذا التغيير الجديد الذي أدّى لفقدان السيادة، سيشرّع جميع المحاولات التي سيقوم بها لاحقا قسم من المجتمع الحريص جدا على وجوده الوطني والقومي، والرافض لهذا التغيير..».

بكلام آخر، يبدو أن كلاوس قد أعلن بدء نوع جديد من المواجهة التي ستتحدد معالمها بشكل أوضح خلال الأشهر المقبلة، والتي ستفرز جيلا جديدا من السياسيين ومناصريهم الراغبين في إحداث تغيير في قلب التطور القائم. وبالرغم من أن كلاوس قد حافظ على قدر معيّن من الانضباط خلال التعبير عن مشاعره أو خططه السياسية المستقبلية، إلا أن مناصريه كانوا أقل التزاما بالتصريحات الدبلوماسية المبطّنة.

«.. التحرك المقبل الهادف لاستعادة السيادة المفقودة، قد يتمحور حول السعي لإقناع قسم كبير من المواطنين التشيك بالانسحاب من الاتحاد الأوروبي».. هذا على الأقل ما أفاد به بيتر هاييك أحد أبرز مساعدي الرئيس، مؤكدا أن ذلك هو موقفه الشخصي، لا موقفا رسميا لرئيس الجمهورية. في جميع الأحوال، فإن كلاما مثل هذا يرفع سقف التوتر إلى درجات غير متوقعة أبدا، فهل ستكون تشيكيا قادرا على خوض هذه المواجهة حقا؟

كاتب لبناني

ezzedine@vol.cz