في الأوضاع العادية، لا يرقى إقرار قانون للانتخابات، أو حتى إجراؤها، إلى مرتبة الإنجاز. لكن في الحالة العراقية، فهو كذلك وأكثر؛ بصرف النظر عن الملابسات. ظروف البلد المعروفة والعملية السياسية المتعثرة، فضلاً عن الخلافات التي بدت مستعصية حول القانون؛ كلها تجعل من توصّل البرلمان العراقي إلى الموافقة على صيغة لإجراء الانتخابات، خطوة بالغة الأهمية على طريق الخلاص الوطني والسلم الأهلي. وبقدر ما يندرج هذا في خانة الإنجاز الهام، بقدر ما يرتّب مسؤولية أكبر على جميع العراقيين، لمواجهة القائمة الطويلة من الاستحقاقات والتحديات الآتية، قبل العبور إلى مرحلة السيادة الكاملة والوحدة الوطنية الناجزة.

العملية لم تكن سهلة ولا نهائية، لكنها كانت كافية لتجنّب أزمة دستورية، واستطراداً، لتجنّب حصول تأجيل في مواعيد الانسحاب الأميركي. كما من المأمول أن تكون لها انعكاسات إيجابية على الصعيد الأمني. جلسات طويلة للبرلمان، انتهت إلى التأجيل عشر مرات؛ قبل أن تتم ولادة القانون. الخلافات، كانت هائلة، معها بدا أن الطريق مسدود.

وضع مدينة كركوك، كان العقدة؛ من البداية. استعصت على الالتفاف حولها. الحساسيات وما وراءها، تقدّمت على كل اعتبار. بعد المساومات والجهود المضنية، على مدى أسابيع، وتحت ضغوطات الموعد الانتخابي والأمم المتحدة والمفوضية العليا للانتخابات وغيرها؛ تمّ كسر الجدار. الحل مؤقت ولا يخلو من الالتباس، بل لا يخلو من الألغام. لكن الطريق صارت سالكة للانتخابات، ولو أنه قد يتعذّر حصولها في موعدها الدستوري في السادس عشر من يناير القادم.

الترجيحات، أن تجري بعد أسبوع من موعدها هذا. المهم أنها باتت في حكم تحصيل الحاصل. والأهم أنها خطوة أساسية، بل تأسيسية، على طريق تكريس مبدأ الحوار والتسوية، لتجاوز كافة الإشكالات والخلافات، مهما بدت صعبة وشائكة.

وفي نفس الوقت، صفعة لخيار العنف ولأصابع الفتنة التي كادت أن تجرّ العراق، أكثر من مرة، إلى هاوية الانتحار الوطني. مكاسب، بمنزلة حجر الزاوية، في مسيرة العملية السياسية واستكمال بناء مؤسساتها. المرحلة الانتقالية، لا تزال محفوفة بالمخاطر، لكنها، بالمقارنة مع ما مضى، صارت قصيرة وأقل خطراً. اجتياز الاستحقاق الانتخابي بالصورة المطلوبة، يعزّز المناعة الوطنية ويعطيها حقنة زخم إضافي، والتوافق الذي انعكس في تمرير القانون يرفع من منسوب التفاؤل.

منذ الاحتلال، والعراق ينزف؛ في وحدته وأمنه ومؤسساته وتماسكه الاجتماعي. ضريبة الدم والخراب والنزوح، التي دفعها؛ مخيفة. في الفترة الأخيرة بدا وكأنه ينتقل، ولو بصورة هشّة، إلى الضفة الأخرى. الانتخابات مع قانونها، تمثل أحد زوارق العبور.. فإلى المزيد منها.