في غزة هاشم، استخدمت دولة الاحتلال ما أطلق عليه لديهم «استراتيجية الضاحية»، أي التدمير الشامل ومحو البنية التحتية وما فوق الأرض عن وجه الأرض، على نمط «ما حصل في الضاحية الجنوبية لبيروت صيف 2006»، كما استخدم الاحتلال سياسة «الإبادة والمجازر الجماعية البشعة التي ارتقت إلى مستوى ما بعد الجريمة..
وإلى مستوى المحرقة الحقيقية»، ووفقا لتقرير موثق، فقد طال التدمير الشامل: «مساجد، مستشفيات، مدارس، جامعات، بيوت آمنة، مسعفون، سيارات إسعاف، أطفال رضع وصبية، شيوخ ونسوة، حتى مقابر الأموات لم تسلم.. الكل تهدم وأصبح هدفاً لآلة حرب عنصرية لا ترحم، ولجيش «دفاع» بل دمار، منزوع الضمير الإنساني ومنزوع الأخلاق»، إلى ذلك كان هناك قنص، وسحل، وهدم، وحرق، وتفجير وتهجير، ومعان وكلمات أصبحت مفردات أساسية في حديث أهل غزة اليومي» (قناة الجزيرة - 14/1/2009).
فإذا كان تقرير غولدستون بات يعني ضمنا وجوهرا تجريم الدولة الصهيونية باقتراف جرائم الحرب المشار إليها بالعناوين أعلاه وأكثر، فإن هذا التقرير الأممي جاء متأخرا عمليا نحو اثنين وستين عاما من النكبة، ونحو أكثر من قرن من نشأة الحركة والتنظيمات الإرهابية والجرائم الصهيونية، إذ اقترفت الحركة والتنظيمات الإرهابية الصهيونية قبل قيام إسرائيل، مئات من جرائم الحرب التي تستحق كل منها «غولدستون» خاصا بها، كما اقترفت تلك الدولة بعد إقامتها المئات الأخرى من الجرائم التي تستحق كل منها أيضا «غولدستون» خاصا بها..
وإن كنا في هذه الأيام في أجواء القرصنة البحرية، بعد أن قام سلاح البحرية الإسرائيلي باختطاف السفينة الإيرانية فرانكوف، فإن هناك سجلا طويلا من القرصنة البحرية الإسرائيلية التي تتطلب أيضا غولدستون خاصا بها!
فنحن، إذن، أمام سجل طويل من مئات إذا لم يكن آلاف «الغولدستونات» الممتدة على امتداد الجسم الفلسطيني!
فهناك في فلسطين، في كل بيت فلسطيني مهدم وفي كل خيمة فلسطينية مقامة وعلى كل وجه فلسطيني، معالم جريمة وحكاية حزينة لا تمحوها الأيام ولا تخطئها ذاكرة التاريخ..
جراح وأسرار وحكايات قديمة، جديدة، متجددة متراكمة، تتضافر كلها اليوم ونحن أمام محرقة غزة وتقرير غولدستون، لتقدم لنا مشهدا فلسطينيا مثخنا بالغولدستونات، فكل حكاية منها تستحق كذلك غولدستون خاصا بها!
وتبدأ الحكايات الغولدستونية في فلسطين منذ أن منح ذلك الوعد البلفوري المشؤوم للحركة الصهيونية، دون حقٍ، وطناً ودولة ومستقبلاً، فدشن في فلسطين العربية والمنطقة برمتها، عصرا جديدا من الحروب والاعتداءات والانتهاكات وجرائم الحرب المروعة التي لم يشهد لها التاريخ مثيلاً. فكان ذلك الوعد الباطل فاتحة مسلسل الجرائم المتصلة في فلسطين، لتعقبه بالتتابع المخطط والمبيت، جملة أخرى من الجرائم الشاملة التي لم تبلغ نهايتها حتى يومنا هذا.
كانت الجريمة الأكبر موجات الهجرة والتهجير والغزو البشري اليهودي لفلسطين، ثم الاستيلاء على أكبر مساحات ممكنة من الأراضي العربية، وبناء أكبر عدد ممكن من المستعمرات الاستيطانية فيها.. لتأتي بعد ذلك كله أقذر وأبشع الجرائم الصهيونية عبر التاريخ: حرق شامل للأخضر واليابس في فلسطين، وتدمير شامل للمدن والقرى الفلسطينية (نحو 530 قرية وبلدة ومدينة)، ومجازر جماعية دموية بشعة مروعة، لم ينج منها حتى الطفل الفلسطيني الرضيع، ثم ترحيل وتشريد وإلجاء جماعي للشعب الفلسطيني (نحو 800 ألف فلسطيني، ليبقى في فلسطين 48 فقط 156 ألف فلسطيني)..
لتتحول فلسطين العربية إلى كيان صهيوني، وليتحول شعب فلسطين إلى لاجئين في أصقاع العرب والعالم، بلا وطن وبلا هوية وبلا حقوق وبلا مستقبل، ولتتحول الحركة والعصابات الصهيونية إلى نظام وكيان ودولة معترف بها، لها وطن وهوية وحق في الوجود والمستقبل.. ولتتواصل الجرائم الصهيونية بأشكالها المختلفة الدموية والاستيلائية الاستيطانية الاحتلالية، والانتهاكية السافرة لحقوق الفلسطينيين، على امتداد المرحلة الزمنية الأولى للمشهد الممتد من تاريخ الوعد البلفوري الكارثي وحتى عدوان يونيو/ 1967، حيث تواصلت سياسات الاحتلال الحربية التنكيلية التطهيرية العنصرية لتشمل الأرض كلها والشعب كله.
ولتبدأ بسلب الأرض كلها واستيطانها وتهويدها، ولتستمر بمنهجية سياسة العقوبات الجماعية الشاملة، من اعتقالات ومحاكمات وهدم وإغلاق بيوت وإجراءات خنق اقتصادية، وإجراءات تهويد ثقافية وتعليمية وغير ذلك، ولتصل إلى اقتراف المجازر الدموية الجماعية والفردية.
ما زال المشهد الفلسطيني، رغم مرور اثنين وستين عاما على النكبة وتفريخاتها وصولا إلى محرقة غزة، مفتوحا على المزيد والمزيد من التصعيد المنهجي المبيت، للإجهاز على ما تبقى من فلسطين أرضا وشعبا!
لقد أثقلت مشاهد القتل الجماعي والتدمير البشع التي ألحقتها آلة الحرب التدميرية الإسرائيلية، الذاكرة الوطنية الفلسطينية مجددا..
فهناك، إذن، في كل بيت فلسطيني ألف قصة وقصة عن التضحيات والشهداء والجرحى والمعتقلين.. وعن الاجتياحات والتجريفات وعمليات الهدم والتدمير.. وكذلك عن خيام الألم والمعاناة والصبر.. وهناك بالتالي ألف غولدستون وأكثر!
الإسرائيلي ميخائيل سفراد، المستشار القانوني لمنظمة حقوق الإنسان «يوجد قانون» (يديعوت أحرونوت ـ 2009115) يثبت ذلك قائلا: «تقرير غولدستون ليس الوثيقة الدولية الأولى التي تقضي بأن إسرائيل خرقت القانون الدولي، سبقته في السنوات الأخيرة عشرات التقارير، والقرارات، والتصريحات والفتاوى في الأمم المتحدة، ولجان الفحص ولجان الخبراء الدوليين، بل والمحكمة الدولية في لاهاي، إسرائيل تجاهلتها جميعها وقول «سيكون على ما يرام» أثبت نفسه حاليا«.
تعيدنا عناوين المشهد الفلسطيني إلى بديهيات الصراع الأولى، وإلى الخلفيات والمضامين الحقيقية للمواجهة الفلسطينية ـ الإسرائيلية المستمرة، في الوقت الذي تثير فيه جملة من الأسئلة والتساؤلات الجذرية حول أوراق القوة والضعف وآفاق المواجهة والمستقبل، وإلى الأسئلة الكبيرة على الأجندات السياسية العربية!
فلسطين الجريحة المكلومة الأبية، تدق في هذه الأيام.. أيام الغولدستونات المفتوحة، بقوة كبيرة على جدران الصمت والعجز العربي والدولي!
كاتب فلسطيني