هل يصبح الإنسان مغترباً في المكان الذي اعتاد أن يعيش فيه، ويشعر بالمرارة، أم أن الحياة أصبحت ذات لون قاتم، أو أسود، أو ربما رمادي، وهو اللون شبه الحيادي؟
يحتاج الفرد أحياناً إلى مراجعة الذات، والخوض في الذاتية، والبعد عن المحيط الخارجي، ذلك المحيط الذي يجمع كل التناقضات، بين إيجابيات الحياة، وتلك التي تؤكد على السلبيات، إلاّ أنها الحياة، بكل مراحلها، والتي يمر بها الإنسان مهما كانت مكانته الاجتماعية، أو السياسية أو حتى الاقتصادية.
بات الإنسان محصوراً في تلك الدوائر، وأصبح التغيير مطلباً حقيقياً لكثير من البشر، حتى إن المعرفة العلمية أو الاقتصادية والاجتماعية، جعلت العديد من المفكرين والمبدعين في مختلف المجالات يسارعون لعقد المؤتمرات والندوات، لإيجاد آليات للخروج من المأزق.
في ظل هذه الأزمة، يقول أحد الأصدقاء ممن له تجارب حياتية طويلة وعميقة، سواء في حقل العمل العام أو من خلال انخراطه في منظمات المجتمع المدني، أو حتى في تنظيمات سياسية، إنه توصل إلى نتيجة مفادها «إن أردت أن تعيش بسلام عليك بتجاهل كل ما يجري، أو أن «تطنش» ما يجري من حولك».
هذه الحقيقة للأسف الشديد، تؤكد على شعور الإنسان بأنه هامشي، أو أنه بلا قيمة في هذه الحياة. أو هكذا يصور له، حتى يخرج من الإطار العام، والذي يحاول الكثير أن يدخله، حتى وإن لم يكن مؤهلا لذلك، إلاّ أن الظروف تسمح لهم نتيجة لاختلال موازين القوى، وهو الزمن المصاب بالرمادية، وعدم الإخلاص، أو كما يقال زمن الرويبضة؟!
في هذه اللحظة يبرز من بعيد ذلك الصديق القديم، رافعاً يديه للسماء متسائلاً: إلى متى يظل «تحت الظل» وسط الأنوار، ويعيش في الظلام صانع النور؟ وثقت من كلامه، لأنني أعرف ذلك الذي يصنع النموذج، إلاّ إن قيمة الإنسانية الرائعة تحول دون الكلام، وهذه مأساة أخرى لمن يعمل دون كلل أو ملل من أجل المجتمع، ومن أجل مدينة الحلم العربي.. كان الجميع هناك إلاّ هو؟!
وقفت قليلاً أراجع المشهد من جديد، هل ذهب بعيداً حينما أدركت أن الدرك هم الذين يسيرون الأمور؟! قلت لنفسي: أبداً، إن المبدعين هم الذين يركبون في القاطرة الأولى، وإلاّ توقف القطار منذ زمن بعيد، أليس ذلك الإنسان يعمل ليل ونهار من أجل هذه المدينة الفاضلة في ظل العتمة العربية القاتمة، وهو الذي خلق بريق الأمل في لم شمل العرب من الخليج إلى المحيط!
بل ربما كان ذلك القادم من مأساة العرب، جميع أولئك في مكان هو الحلم العربي الجيد، ألم تكن رؤيته، واقعاً جديداً، حيث التعايش بين كل الأطياف السياسية؟ بالرغم من أن الإيديولوجية ونفي الآخر كانت السمة السائدة، إلاّ أن الإرادة القوية والتصميم على لم الشمل، كانا الهم الأكبر لذلك الكبير.
كان الحفل الأخير حزيناً لعدم وجود ذلك الإنسان الرائع، والذي قرر بعد مراجعة الذات، أن هنالك من يحاول أن يسير على البساط الفكري على حساب الآخرين. كان الجميع يدرك أن هنالك فارساً قد ترك الحصان من أجل الجميع، بدافع التضحية من أجل مشروع هو الأهم، إلاّ أن ذلك الحدث كان حزيناً من دون ذلك الإنسان القادم من أرض المأساة العربية الأولى.
في هذه اللحظة عادت بي الذاكرة لزمن كان يشكل الحلم الجميل، حين ذاك لم يكن من المألوف التمرد على الأستاذ، بل إن الاحترام والتقدير، كان السائد بين أولئك الذين يحترمون المعلم، ولذلك كانت الأيام جميلة، حينما يدرك الكل أن لكل مقام مقالا، وأن العين لا تعلو على الحاجب، وأن الحياة جميلة يا صاحبي.
هذه بعض الأفكار التي وردت في لحظة تأمل مؤلمة، بين الفرح وبين الحزن على إنسان هو العطاء الدائم، وهو الأستاذ للعديد من البشر، وهو مع كل ذلك لا يحقد على أي إنسان، وأدرك قبل غيري، أنه فاضل وقدير وسيظل كذلك للأبد.. أملا في لم شمل العرب من الخليج إلى المحيط.
أستاذ علم الاجتماع السياسي