لا أعتقد أن فينا من لا يعرف «هنري كيسنجر»، مهندس السياسة الأميركية في عهدي إدارة الرئيسين ريتشارد نيكسون وجيرالد فورد، وصاحب سياسة «الخطوة خطوة» الشهيرة في منطقة الشرق الأوسط، هذه السياسة التي رسم معالمها من خلال جولاته المكوكية في المنطقة، فكانت ثمرتها التوصل إلى اتفاقيات الفصل بين القوات الإسرائيلية من جهة، والمصرية والسورية من جهة أخرى.

ورغم أن كيسنجر لم يحصل على الجنسية الأميركية إلا عام 1943، بعد أن هاجرت أسرته اليهودية من ألمانيا إلى الولايات المتحدة عام 1938، حيث خدم في الجيش الأميركي خلال الحرب العالمية الثانية، إلا أنه استطاع أن يصعد إلى مركز صنع القرار في البيت الأبيض مستشارا في السياسة الخارجية، لدى إدارتي كل من الرئيسين جون كيندي وليندون جونسون، ثم مستشارا لشؤون الأمن القومي في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون، خلال الفترة من 1969 وحتى 1973 عندما تم تعيينه وزيرا للخارجية ليشغل هذا المنصب حتى عام 1977.

ليس هذا عرضا للسيرة الذاتية لوزير الخارجية الأكثر شهرة في تاريخ الدبلوماسية الأميركية، وإنما هي مقدمة ضرورية نطرح بعدها السؤال التالي: أين ذهب هنري كيسنجر بعد خروجه من وزارة الخارجية عام 1977؟ هل قبع في بيته مكتفيا براتبه التقاعدي الذي يضمن له دون شك حياة مستقرة في مجتمع يُعنَى بالمتقاعدين، ويخلع عليهم ألقابا تمنحهم من الوقار ما يستحقونه، ويوفر لهم من الامتيازات ما يجعلهم يتطلعون إلى هذه المرحلة من أعمارهم ليبدؤوا حياة أخرى مختلفة؟

والأهم من هذا، هل اكتفت الحكومات الأميركية المتعاقبة بما قدمه كيسنجر لوطنه خلال فترة عمله، ووضعته على الرف مثل أي سلعة انتهت صلاحيتها، أم واصلت الاستفادة من الخبرة المتراكمة لديه؟

لو كان هنري كيسنجر هذا وزير خارجية سابقا، أو وزيرا سابقا لأي وزارة في دولة من دول العالم الثالث، لوجد نفسه دون شك موضوعا على الرف أو في مستودع يتراكم على محتوياته الغبار، هذا إن لم يجد نفسه في السجن ـ على أحسن الفرضيات ـ لو أن وزارته أزيحت بانقلاب عسكري أبيض أو أحمر سيّان، لكن حضور كيسنجر وزير خارجية الولايات المتحدة الأسبق، بقي متواصلا ومستمرا منذ خروجه من الوزارة وحتى اليوم.

فقدْ عيّنه الرئيس رونالد ريغان عام 1983 رئيسا للهيئة الفيدرالية التي تم تشكيلها لتطوير السياسة الأميركية تجاه أميركا الوسطى، وبعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 عينه الرئيس جورج بوش الابن رئيسا للهيئة المستقلة التي شكلت للتحقيق في تلك الهجمات، وتألفت حينها من عشرة أعضاء، خمسة من الجمهوريين وخمسة من الديمقراطيين، وتمتعت بصفة قانونية وصلاحيات واسعة، كانت تمكنها من استدعاء أيٍّ كان للشهادة أمامها بمن فيهم رئيس الجمهورية نفسه.

ولم تنحصر الاستفادة من خبرة كيسنجر في الدائرة الضيقة لبلده الذي يقدر الخبرات ويعرف كيف يوظفها، بل امتدت خارج هذه الدائرة لتشمل بعض زعماء العالم الذين لم يتوانوا عن طلب مشورته في الأزمات والظروف الصعبة، مثلما فعل الرئيس الإندونيسي الأسبق وحيد عبد الرحمن الذي عينه مستشارا سياسيا له، مقابل أجر خيالي كما جاء في الأخبار وقتها.

هنري كيسنجر نموذج يدفعنا إلى التساؤل عن عدد الخبرات المهدرة في عالمنا العربي، هذه الخبرات التي ما إن تغادر وظائفها الرسمية وتترجل عن كراسيها، باختيارها أو رغما عنها، حتى يلفها النسيان وتتحول إلى كم مهمل لا يستفاد منه، في الوقت الذي يستورِد فيه بعضُ الدول التي تدّعي أنها معجبة بالنموذج الغربي، مستشارين من الخارج يقلون كفاءةً وخبرةً عن الخبرات الوطنية التي تتحول إلى كمٍّ مهمل، وتحال إلى الاستيداع وهي في أوج العطاء، وفي المرحلة التي تكون فيها قد تهيأت لنقل خبرتها إلى الجيل الجديد الذي سيستلم منها الراية.

ولأن التعميم لا يتفق مع المنهج العلمي الصحيح، فمن الظلم أيضا أن نعمم هذه القاعدة على الجميع، فهناك دول لا تبخس هذه الخبرات الوطنية حقها، فنجدها توظفها بالشكل الذي يتيح للجيل الجديد الاستفادة منها، بالطريقة التي تمزج بين التوجهات الحديثة والثوابت المرتبطة بمصلحة الوطن، الأمر الذي يتيح لهذه الدول الأخذ بأسباب التقدم دون التخلي عن هويتها الوطنية، وهكذا تمضي عملية التنمية الحديثة جنبا إلى جنب مع المحافظة على الأصالة، وهو الأمر الذي نتمنى أن نراه يحدث عندنا في كافة المجالات.

لدينا خبرات عديدة في مجالات كثيرة، كالتعليم والصحة والاقتصاد والإعلام وغيرها، هذه الخبرات يجب أن لا نحولها إلى ديناصورات نفرض عليها الانقراض، ونضعها في المتاحف بحجة أنها لم تعد تواكب العصر، فعملية ضخ الدماء الجديدة يجب أن ترافقها عملية أخرى، شعارها عدم التنكر لمن كان لهم شرف التأسيس والريادة. فاحترام الرواد والاعتراف بالفضل لهم والاستفادة من خبرتهم، هي السبيل الوحيد للمحافظة على التوازن المطلوب، كي لا نندفع ونحن فاقدو الرؤية فنجد أنفسنا على حافة الهاوية.

المحافظة على المنجزات تتطلب منا المحافظة على من أن أنجزها من الرواد، الذين نعتقد أن لدينا منهم طابورا طويلا ينتظر منا الاحترام والتقدير والإنصاف.

كاتب إماراتي

aliobaid4000@yahoo.com